لآلئ الشعر! (معارضة لقصيدة النحوي) - أحمد علي سليمان

إنا نُسَطر – في القِرطاس - أشعارا
فاضتْ – على الخلق – رَيْحاناً وأنوارا

نسوقها – في دروب القوم - تبصرة
ونترعُ الدارَ تكريماً وإكبارا

دنيا القريض - بما نزجيه - شاهدة
وطائر الشعر – بالذكرى - لقد طارا

نشخص الواقع المُعتلّ في وضح
والعقل - في حاله المُعوَجّ - كم حارا

ونجبُرُ الكسر ، والقرآنُ عُدتنا
وإن - في الدار حين البأس - أنصارا

نعالج الداءَ تلو الداءِ في ثقةٍ
وعزمُ صحوتنا نراه أقمارا

والشعرُ رائدُنا في كل نازلةٍ
وكم خطوب لنا تبيتُ أشعارا

وليس شعرٌ بلا وزن وقافيةٍ
ولن يُقدّم هذا الإفكُ أفكارا

إن القوافيَ والأوزان بوتقة
تُهدي القصائد أنغاماً وأزهارا

هيَ الحياة - لشعر العُرب - قاطبة
والشعرُ – مِن دونها – يبيتُ أقفارا

فلا حياة به تُبدِي محاسنه
وكل لفظٍ حوى تِيها وأوضارا

أصحابه أفلسوا في كل أمسيةٍ
واستعذبوا الغِش والتدليس والعارا

كم أحدثوا - بقريض العُرب - من زلل
ثم استباحوا الحِمى ، والدِينَ ، والدارا

حتى أتى أسَداً (عدنانُ) يَكْبتهم
يَصبُ - فوق الغثاء الراكد - النارا

يُعَلم البُلهَ أن الشعر يرفضُهم
وليس يقبل - مِن أعداءَ - أعذارا

إما قريضٌ له وزنٌ وقافية
وفكرة عَفة ، تمجّ إعصارا

تذكّر الناس بالرحمن خالقهم
ومِن بحار التقى تُذيع أخبارا

عفتْ - عن الدنس المرذول - شامخة
وأبحرتْ - في سماء الرُشد - إبحارا

ترد حقاً إلى ركن يليق به
وتلقِم الباطلَ الملعونَ أحجارا

فذاك شعرٌ له الجوزاءُ موعدة
وخيرُهُ فاض عُمراناً وأنهارا

وما سِواه فألفاظ ملفقة
تُحمّل الجيل آثاماً وأوزارا

يا (عدنُ) فاكتبْ ، لكي تنزاحَ فتنتهم
ولا نرى مَجدَنا الصدّاحَ مُنهارا

واجعل - من الشعر - طوفاناً ليُغرقهم
وسَطر النقدَ أبواباً وأسفارا

ونقح الأدبَ المملوء تجربة
واجعلْ سبائكه – للجيل - تذكارا

وجدّدِ العهدَ ، أن تحيا لتُعْلمهم
أن القريض غدا – بالوزن - زخارا

ولا سبيل إلى نَيْل يُمزقه
فإن تنوره - يا قومنا - فارا

وكيف تُطفئ شمساً جوقة هزلتْ؟
وإن للكيد - بعد العز - إدبارا

ولا سبيل إلى غل يقيّدهُ
كم يَحْطِمُ الشعرُ أغلالاً وأسوارا

عدنانُ بيّنْ لهم فحوى حقيقتِهم
مهما أضلتْ رؤىً تهذي وأبصارا

وكم كتبتَ ، فما كفوا دعايتهم
بل جهزوا النايَ والأرغول والزارا

وأوهموا الناس ، أن الشِعر عَصرنة
وأن ما قد مضى مِن عهده بارا

واستأسدوا وقوى التغريب تكلأهم
وجمعُهم – في سبيل الغي – قد سارا

قالوا: الحداثة مِنهاجٌ يُجَمّلنا
صدقاً ، وإن لها – في الدار - أثمارا

ماذا أخذنا – من الأوزان - شاخصة
خلف القوافي ، وعزمُ الشعر قد خارا؟

تقدّمَ الكلُ ، والأشعارُ خالفة
وماءُ رونقها - في ذله - غارا

قلتُ: اخسأوا في سراب التيه ، وانجدلوا
فإن - في قولكم - إرباً وأوطارا

كُفوا الهُراءَ ، فإن الجيل سائلكم
وقد صنعتم له الإفلاسَ أطوارا

هيَ الحداثة لا تُبقِي على قِيم
وأهلها أصبحوا – بالهزل - أغرارا

همُ الضياعُ لمن يغشى محلتهم
وقد نرى رأسهم - في البار - خمّارا

إن الحداثيَ – في أهوائه - لجبٌ
وقد يكون - لأهل السوء - زمّارا

هم خرّبوا الفكرَ والآدابَ أجمعَها
وحطموا الشعر ، حتى بات أصفارا

خابت حداثتهم ، من بعد رفعتها
إذ ترفع اليومَ (نِيقولا) وجيفارا

ودمّر الله إفلاساً تدلُ به
كيلا تصِرّ – على التخريب - إصرارا

يا (عدْنُ) أصدرْ لهم سِفراً يُسَفههم
بوركت أصدرت - في الضُلاّل - إصدارا

سِفر (الحداثة) نارٌ سوف تحرقهم
تنسابُ – فوق رؤوس العِير - أمطارا

و(النقدُ) سيفٌ – على أعناقهم - نهمٌ
وأنت – بالشعر – قد أعذرتَ إعذارا

و(النهجُ) بيّنَ دربَ الحق في زمن
الحق يَنشد أبطالاً وأخيارا

و(موكب النور) جلّى كل غاشية
وبات يكشف – للغادين - أسرارا

و(مهرجانُ قصيدِ) الفذ يَبعثها
دُرّيّة تُشْهر الأشواق إشهارا

وفي (الملاحم) كم من صيحةٍ بُذِلتْ
تعلّم الجندَ تفضيلاً وإيثارا

وفي (الجراح) - على درب الهُدى - طلعتْ
شمسُ التباشير تذكيراً وأذكارا

منابعُ الفكر فيما قد كتبتَ لنا
وجنة الشعر - فيها - الحورُ أبكارا

يراعة - من سنا الفرقان - كم شربتْ
وإن رأتْ مُنكراً كوتْه إنكارا

هذي الدواوينُ نورٌ في مرابعنا
والشعرُ أمسى - ببذل الخير - مِعطارا

والبدرُ (عدنانُ) أهدى الكل تهنئة
بنصرة الخير نثراً ، ثم أشعارا

أعطى وأجزل ، لم يبخلْ بعزمته
وسلّم الشاعرَ المِحتار مِنظارا

كان المهذبَ في شِعر يُسطره
ليس (امرأ القيس) بل وليس بشارا

وشعره طيّبُ الأعراق فيه تقىً
يفوقُ في حبكة التركيب مِهْيارا

لم يُغره منصبٌ يُذلُ عِزته
فليس مأربُه – في العيش - دينارا

ولم تؤرجحْه دنيا مَن بها افتتنوا
مِن الذين غدَوْا عِيراً وأزيارا

رسالة (العدْنِ) في المأوى نهايتها
لذلك اختار دينَ السلم مِعيارا

أردى الحداثة ، جلى قبح عورتها
وأرسل النقدَ تلو النقدِ مِدرارا

وكان ينظر كوناً بالحداثة لم
يعشْ نقياً ، فقد زادته أقذارا

يرى الحداثيَ مرذولاً ، فيمقته
يُؤتيه - من عاطر التنظير - قنطارا

ولا يخاف الذي قد كان نصّبه
بين الخلائق دلاّلاً وسمسارا

فإن في قلب (عدن) حبّ خالقه
وفي جوارحه – للضاد - مقدارا

لكنْ حداثيّهُم – في الوحل - مرتكسٌ
وإن – في قلبه – عُوداً ودُولارا

إذا علتْ قيمة تلقاه منخرساً
وإن تسُدْ فتنة تجدْه مِجعارا

وكل داءٍ له طبٌ يُعالجه
إلا الحداثة فيها الطب كم حارا

دارتْ على فلكِ التغريب فانشطرتْ
وكم أقرّتْ دجى التضليل إقرارا

وأهلها خبثوا من معشر فحُش
قد احتوى صفهم حُمْراً وأعيارا

كم علمنوا العيش ، حتى صار يلعنهم
وأصبحوا - في حضيض - التيه أثوارا

كم مزقوا الفكر ، حتى بات مسخرة
من بعد أن كان – في ماضيه – مغوارا

كم حرّفوا الشعر حتى ضاع رونقه
وأنزلوا بجَمال الشعر أضرارا

كم قتلوا جهرة وزناً وقافية
وأهدروا - في رياض - النثر آبارا

وطوّعوا الشعر للأوهام ، فانحدروا
وأحضروا - لغناء الشعر - مزمارا

وأخضعوا الشعر للاشعر فانكفأوا
يُخرّفون ، وأضحى الكيد بتارا

واسأل (أدونيس) كم ياقوتة دُفنتْ
وإن - في لحدها - المجهول سحّارا

يُبدّدُون ، ولا إنسان يسألهم
ويَقصدون دهاقيناً وأحبارا

ويشْطرون لواء الشعر دون حيا
وإن - في كل كف كاد - منشارا

يُعربدون لهم سوقٌ تشجّعهم
ويُسدِلون – على البهتان - أستارا

هي الحداثة فارجمْها تعش ألقاً
وتُمس – في زمَر الأفلاك - سيّارا

لا تخدعنك ، هذي نبتة خبثتْ
وقد غدا أهلها – في الساح - فجّارا

في كل صُقع لها ذيلٌ ينمّقها
وكل بالوعةٍ تضم صرصارا

وكل دار بها جيبٌ يُباركُها
وكل جيب يَمُجّ – الآن - آثارا

خابت دهاقنها في كل حاضرةٍ
وإنني ها هنا أسديتُ أحذارا

صرّحتُ ، لم أدخرْ نصحاً وتبصرة
وعن حداثتهم أنذرتُ إنذارا

حتى رأيتُ أبي (عدنانَ) أتحفنا
وقد أبان لنا – عن تلك - أخطارا

عرّى الحداثة ، لم يحفلْ بصولتها
وجادل (العدنُ) مأجوراً وديّارا

وكم تعقبها في عُقر منشئها
وبعدُ زار لها دُوراً وأمصارا

وناقش (العدنً) تضليلاً تتيه به
لذاك مزق – في التنظير - أوتارا

أبان سُبْل الهُدى لمن طغى وبغى
وقال: كيف يكون القومُ أبرارا؟

لكنهم أعرضوا عن هدي خالقهم
وإن - في رحم المجهول - أقدارا

فربما خصّهم ربي بصاعقةٍ
مثل التي أهلكتْ من قبلُ كُفارا

وربما سُلبوا فحوى مكانتهم
وأصبحوا – في ثرى البيداء - أبعارا

وربما أخِذوا من كل مَيسرةٍ
وإن - في الكون - أحوالاً وأغيارا

وربما أهلِكوا بسوء عاقبةٍ
لم تُبق من جمعهم في الناس مِسعارا

وربما اجتثتِ السوآى فضائحَهم
حتى يُولوا من الأكوان أدبارا

ويصبحوا خبراً ماتت نكارته
فلا نعاني له – في البُهم - إضمارا

يزول – بعد ظهور الحق - مُنتفضاً
فلا يُعكّر أجيالاً وأعصارا

ولا تقوم له – في الدار - قائمة
ولا يُناشد – للإفلاس - تجارا

هي الحداثة ليست تحتوي قيماً
لأنها قطعتْ – في الغي - مشوارا

عدنانُ أنت لها ليث يُروّضها
والليث إنْ يبدُ لم ترقبْ هنا فارا

أوصيك واصلْ جهاداً طاب مسلكه
عساك تلحق خباباً وعَمّارا

فإن شعرك كهفٌ فاز ساكنه
ويستزيد - من الأفذاذ - عُمّارا

وإن بُليتَ فصبرٌ ، ثم ملحمة
أمسى عدوك – في التغرير - مَكّارا

فدعْ قريضك – في الميدان – سيف مضا
يرد كيداً - على الإسلام - جرارا

وقرّ عيناً إذا نارُ القريض زكتْ
تُحَرّق اليوم خوّاناً وغدّارا

تكلمتْ عندما العدوانُ باغتها
فأخرستْه ، ويوماً كان ثرثارا

وقد عرفتُك يا (عدنان) مُعلنها
حرباً ضروساً ، تضم الجند كُرارا

تُردي الحداثة ، لا تُبقي لها أثراً
وإن للشعر – في الهيجاء - إغبارا

وإن للنقد ترجيعاً يؤرقها
فتشتكي ألما يكوي وأعسارا

وأنت يا (عدنُ) أدرى بالذي صنعتْ
وأنت أصدقُ مَن في وجهها ثارا

فاغرسْ يراعك في أعفان سادتها
وحسبُك الله فوق الكل قهارا

لا فض فوك ولا انكسرتْ يراعتكم
وحسبُك الرب – للزلات - غفارا

وإنْ تعقب ما ألفت مرتزقٌ
فحسبك الله – للحَوْبات – ستارا

© 2023 - موقع الشعر