مجد الأندلس - موشح - أحمد علي سليمان

طالعتُ ما في الكُتْب مِن أخبارِ
وطفِقْتُ أقرأ طيّبَ الأفكارِ

ونظرتُ في نص المقالة باحثاً
عما احتوتْ مِن غامض الأسرار

وطرقتُ أبوابَ المَعاجم حائراً
وغرقتُ في بُحبوحة استذكار

أرجعتُ من بصري لأدرك مأملي
أتفحصُ البلدانَ في الأسفار

فارتدّ إبصاري يلوم خواطري
وشكا إليّ مرارة الإحسار

وذهبتُ للتاريخ أسأل أهله
وأقولُ: يا علماءُ أين دياري؟

(جَيَانُ) أين؟ وأين (مَرْسِية) اختفتْ؟
لِمَ حُسْنُ (قرطبةٍ) بها مُتواري؟

بل أين (رُونْدا) والغروبُ يَزينها
و(أبو البقاء) يجودُ بالأشعار؟

أين (ابنُ عبدونٍ) يذودُ بشعره
ويرد حقاً يصطلي بالنار؟

(إلبيرة) الشعراء أين بهاؤها؟
وأرى (أبا إسحقَ) خلف الغار

(غرناطة) الفقهاء أين علومُها؟
كانت مَناراً في الدجى للساري

ومضتْ (طليطلة) بسالف عزها
من بعد أن غابت عن الأنظار

ناهيك عن (قشتالةٍ) ودمائها
سقطتْ على الكثبان كالأمطار

إني أسائلُ عن (بلنسية) الهوى
هل يا تُرى انجرفتْ مع التيار؟

و(الإشبلية) عُطلتْ حلقاتها
والعينُ تبكيها بدمع جاري

والنفسُ تنعَى (مَلقة) وربوعَها
كانت تُحاط بأعذب الأنهار

وكذاك (شاطبة) وبحرُ علومها
(الشاطبيُ) يصدُ كل مُمَاري

فردوسُنا المفقود أين جنانُه
هل يا تُرى ذهبتْ مع الإعصار؟

يا أرضَ أندلس فَدتْكِ نفوسُنا
ودماؤنا يا غادة الأمصار

حتى الأطالسُ ما حوتْكِ مَناظراً
فيها مِن الأصقاع والأشجار

وكذا المَعاجمُ ما حوتْكِ مَرابعاً
حَفلتْ بأطيب غيب حُضّار

المجدُ أين؟ وأين طارقُ والألى
فتحوا البلادَ لشِرعة الجبار؟

والغافقيُ ترين ولى عهدُهُ
وغدتْ حِكايته كما الأخبار

أين (ابنُ تاشفينٍ) بهَبة ثائر
تُزري بما تلقى من الأخطار

المجدُ هل يوماً يعودُ لدارنا
إني أراه يَهيبُ بالأنصار

المجدُ زال ، فلم نكنْ أهلاً له
لا ، لن يعود بدمعنا المدرار

لا ، لن يعود بخطبةٍ مَعسولةٍ
لا ، لن يعود ببعض الاستحضار

لا ، لن يعود بكِلمةٍ مُضَرية
تُشجي النفوسَ بنصها المعطار

المجد ضاعَ بمعصياتٍ جمةٍ
غمرتْ بنكبتها ربوعَ الدار

المجدُ زف لغيرنا بفسوقنا
والفسق يُورثُ سيءَ الأوزار

فعسى تُرفرفُ في الدنا راياتُه
كي لا يُعانيَ مِن أذىً وضِرار

تالله إن عاد الأنامُ لرشْدهم
وتضرعوا للواحد القهار

ستعودُ أندلسٌ ويُشرقُ مجدُها
وتعود أرضُ الخير للأخيار

فالمجدُ يَرجعُ إن رجعنا للهُدى
متضرعين لربنا الغفار

يا ربنا اهد الناسَ أنت مليكُهم
مَن ذا سيهدي الخلقَ إلا الباري؟

إنا لنحْسِنُ ظننا بإلهنا
ونريد سَتر المُحسن الستار

© 2022 - موقع الشعر