العود أطيب يا أستاذي - أحمد علي سليمان

علمتني الشرعَ والأخلاقَ والأدبا
وكنتَ لي - إذ فقدتُ الوالديْن - أبا

وعشت ترشدني - للحق - مُلتمساً
هداية عاقها تعنّتٌ وغبا

وكم بذلتَ من الإقناع عن رشدٍ
وكم أبنتَ منارَ الشرع مُحتسبا

وكم عرضتَ من المسائل التبستْ
على الجميع ، وكان الفهم مُضطربا

وكم تفرّستَ في الأحوال ما برحتْ
تُذيقنا المُرّ والتلويعَ والنصبا

وكم تحمّلتَ في سبيل رفعتنا
تُهدي لنا العلمَ والإيمانَ والأدبا

وكنتُ ثمّنتُ مجهوداً تقومُ به
وأنت أهلٌ له ، والأجرُ ما ذهبا

والدارُ تشهدُ ، والدروبُ شاهدةٌ
بما غرستَ لنحيا سادة أدَبا

في الجاهلية أصّلنا مَعيشتنا
فمن أقرّ نجا ، واستصحب الطربا

والشرُ مُدّخرٌ ، والبغضُ مُكتنزٌ
لكل مُجترئ لمَا ندين أبَى

فلا حجابَ ولا تقوى تجمّلني
وكان عيشي هوىً ، وبعضه لعِبا

لا أمرَ قط بمعروفٍ ندينُ به
وللمهيمن لم نقدّم القرُبا

بل عِيشة في مَريع المَعصيات كبتْ
وبعدُ ساءت بما نأتيه مُنقلبا

لم ندّخرْ مِن خِصال الخير خردلة
كأن شراً - على أعمالنا - كُتِبا

والجاهلية تغشى كل بيئتنا
والهزلُ صكٌ - على نفوسنا - ضُربا

وعشتُ أتبعُ الأهلين قاطبة
في كل خندمةٍ ، مهما الجوادُ كبا

وعشتُ ما عشتُ أطريهم وأكْبرهم
وفي مآثرهم أنقح الخطبا

وعشتُ أحتقرُ الذي يناوئهم
وأزدري القولَ لا يزيدهم حَسَبا

فيهم نشأتُ ، فهم أهلي وعائلتي
وديننا عظمَ الأرحامَ والنسبا

لم أعرفِ الحق مِيزاناً يُصَنفهم
ولم أطالعْ تصانيفاً ولا كُتبا

وليس عذراً ، ولكنْ همتي قصُرتْ
عن التعلم يُضفي عِزة وإبا

حتى حللتَ سراجاً في مَضاربنا
والكل طوعاً إلى ما قلته انجذبا

والبعض عاندَ - بالتسفيه - مُكتفياً
والعِندُ يُورث جهلَ النفس والوَدَبا

وكنتَ لي مرشداً ، فخراً أتيهُ به
وعشتُ طوعاً ألبّي كل ما طلِبا

حتى تحديتُ مَن بعلمها سَبقتْ
وباجتهادي بلغتُ المنتهى رُتبا

وواجهتْني صعابٌ ، ما اكترثتُ بها
فقد رزقتُ قوىً تصارعُ النوبا

وثبّت الله إيماني ، وزيّنه
في القلب حتى انتهى عن غيّه ، ورَبا

واليوم ها أنذا أصابُ فيكَ ، ألا
أبصرْ طريقك ، لا أراك مستلبا

أتغرقُ اليوم في الأرجاس مُرتجلاً
درباً طوى العقلَ في أدرانه ، وسَبا؟

أتؤثرُ اليوم أهواءً بُليتَ بها
على الهداية؟ هل إيمانكَ اضطربا؟

أتستحلُ حرام الله دون حيا؟
ماذا دهاك لكي تستعذبَ الرِّيَبا؟

قد كنتَ في الناس رأساً يقتدون به
واليوم أصبحتَ - في جموعهم - ذنبا

أتستبيحُ الذي حَرّمته زمناً؟
أم أنتَ حرّمتَ ما حرّمته كذبا؟

العَوْدُ أطيبُ يا أستاذ ، إن لنا
يوماً سيلقى به الإنسانُ ما ارتكبا

فتبْ إلى الله ، إن التوبَ منقبة
كيلا تكونَ غداً لناره الحطبا

العَودُ أليقُ بالأستاذ إن نفعتْ
نصيحة منه للعاصين إذ غضبا

كم ناصح الكل في سر وفي علن
فما ابتغى عَرَضاً يُغني ولا ذهبا

وكم تجشّمَ عُسْرَ الدرب مبتسماً
لخيمةٍ فقدتْ - في دارنا – الطنبا

وكم تصَبّر مِن عبءٍ ومِن كلل
وكم تكبّدَ في منهاجه الودَبا

وكنتُ أسمع منه الآيَ عاطرة
تزيدُني رغباً في التو ، أو رهبا

فأستعيد الذي يتلوه مُوقنة
بالخير يأتي يزيلُ الضنك والتعبا

واليوم زلت به في غيه قدمٌ
لم تُبق زلته في عقله لببا

أعدْه يا رب نبراساً يُبصّرني
إما عدمتُ الدعاة الصفوة النجُبا

وامنحْه عفواً وغفراناً ومرحمة
يا من له نبذلُ الطاعاتِ والقرُبا

وتبْ عليه مِن الآثام قارفها
وامحُ الذنوبَ التي جميعَها اكتسبا

© 2024 - موقع الشعر