رثاء غوطة - فيصل محمد الحجي

دَفنوكِ تحْتَ شواهِقِ الجدران
وَ مَشتْ عَليْكِ زواحِفُ البُنيان

نسَبُوا إلى الحَيَوان ِ كُلَّ جَريمَةٍ
أرأيْتَ مِثلَ جرائِم ِ الإنسان ؟

أهْلوكِ قدْ باعوكِ دُونَ رَويّةٍ
وَ تعَلقوا بالأصْفر ِ الرّنان

هاموا عَلى سُوق ِ العقار ِ .. كأنهم
قطعانُ ماشِيةٍ بلا رُعيان

وَأَدُوا جَمالكِ فِي خِضمِّ جُمُوحِهمْ
نحْوَ الدَّراهِم ِ وَ المَتاع ِ الفاني

وَ اسْتنزَفوا ( بَرَدَى) فجَفَّ مَعِينهُ
أيَعِيشُ قلبٌ دُونما شِرْيان ِ ؟

قدْ ماتَ (مَشنوقاً) كَمِيتة ِ مُجْرم
في (المَرْجَةِ)العَطشى على الشُّطآنِ(1)

بَلْ ماتَ مُنتحِراً.. لأنَّ ضِفافهُ
مِنْ كُلِّ أنواع ِ الفسُوق ِ تعاني

فكَأنهُمْ يَسْتمْطِرونَ عُقوبَة
تدَعُ الرُّبا قفراً .. بلا غدْران

بَلْ مَاتَ مَسْموماً .. تلوَّثَ مَاؤهُ
بنجَاسَةِ الإنسان ِ وَ الحَيَوان

وَ سَرى إلى كُلِّ الحَدائِق ِسمُّهُ
لِتمُوتَ شاكِيَة أذى الخلان

هِيَ – إنْ جَرَتْ بَيْنَ الضِّفافِ– مُصِيبة
وَالخطبُ إنْ كَفتْ عَن الجَرَيَان

فاصْنعْ لأنفِكَ وَاقِياً صَلداً.. فقدْ
هَبَّتْ رياحُ عفونةٍ وَ صُنان

(بَرَدَى يُصَفقُ بالرَّحِيق )(2)..أواقِعٌ
ماقِيلَ؟..أمْ ضرْبٌ مِنَ الهَذَيان؟

تجْري المَدامِعُ حسْرَة ًلمَّا جَرى
سَيْلُ المَفاسِدِ فيهِ كَالطوفان

بَلْ إنهُ الطوفانُ.. حَتى خِفتُ مِنْ
زَبَدِ الأذى يَطغى على(الزَّبَدانِي)(3)

وَ الفجْرُ وَضاءٌ..وَ لكِنْ ليسَ فِي
آفاقِها..بَلْ مُظلِمُ الأرْكان

وَ تخَالُ ما فوْقَ المَدِينةِ ظلة
كَعَذابِ مَنْ مَرَدُوا عَلىالعِصْيان

بَلْ وَصْمَة تجري لِتفسِدَ ما بَنى
أجْدادُنا .. بحَماقةِ الولدان

إنْ كُنتَ تسْمَعُ لِلصَّلاةِ أذانها
فالمَوْتُ يُطلِقُ – ثمَّ – ألفَ أذان

ما لِلمَصانِع ِ وَالمعامِل ِ ما لها
فِي عُمْق ِ (بادِية ِ الشآم ِ) مَبان ٍ ؟

حَيْثُ الزِّراعَة ُ لاتجُودُ.. لِتنقِذوا
رئة َ المدِينةِ مِنْ أذى السَّرَطان

لكِنهمْ جحدوا المحاسِنَ فانمحى
حسنٌ تميزَ مِنْ لدى (الرُّومان ِ )

حسنٌ تضمخَ بالجلال ِ .. وقدْ كَسا
بالعِزِّ تاجَ (الحارثِ الغسَّانِي)

حسنٌ مشى (حسانُ) في أفيائِهِ
فسرى الخلودُ بشعرهِ الحساني(4)

حسنٌ تضاءَلتِ الشموسُ أمامهُ
لما سما بلوَائِهِ (المَرْواني)(5)

لوْ خُيِّرَ التاريخ ُ تاجاً لاصْطفى
أزْهارَها الجزْلى عَلى الأفنان

كانَ الجمالُ قرينها .. ثمَّ اختفى
قدْ صارَ (مجنوناً) مِنَ الحِرْمان

مدُّوا بساط َ القحطِ فوْقَ مُرُوجها
وَ القبْحَ فوْقَ جمالِها الفتان

فكأنَّ آثارَ المعاول ِ فِي الرُّبا
(جرَبٌ) سرى فيها مَعَ (القطِران ِ)(6)

طرَدوا الفراشاتِ التي دَأبتْ عَلى
توْزيع ِ بهجَتِها بكلِّ مَكان

طرَدُوا الهَزارَ.. فما سمِعتُ بقفرها
إلا نعِيقَ البوم ِ وَالغِرْبان

وَ صَريرَ مِنشار ٍ يَحزُّ شجيْرة
كانتْ مَلاذ َ الوُرْق ِ وَ الكرَوان

طرَدوا البراءَة ََوَالصفاءَ.. فخيَّمَتْ
سُحبُ الجفاءِ وَ ظلمةِ الأدْران

شتانَ بين َ زحام ِ جُُدْران ٍ علتْ
بسدُودِها وَ رَحابةِ البستان

غرَفٌ كاقنان ِ الدَّجاج ِ لِضيقِها
وَ كَأنها سِجنٌ بلا سجان

***
آهٍ دِمَشقُ ! أسِيرَة َ الصمتِ الذي

يَحْكي وَ يفصِحُ عَنْ مَدى الأحْزان
مازِلت ِ في أوْج ِ الصبا.. وَ تجَعدَتْ

قسماتُ وَجهكِ بالدَّمار ِ الجاني
يا دُرَّة َ الدُّنيا التِي ما آنستْ

حسناً كحسن ِ رَبيعها الفتان
وَجدي ب ( رَبوَتها) رَبا.. وَ قدْ اكتوى

قلبي بنار ِ الشوْق ِ في (كِيوان ِ)(7)
ما بالُ أهلكِ لمْ تعدْ أبصارُهمْ

تهوى الجمالَ كسائِر ِ العميان
أينَ الوَفا ؟ ما بالهمْ قدْ أدْمنوا

مَضغ َ العقوق ِ لها بغير ِ توان ِ ؟
زَعموا التمَدُّنَ .. وَالتمدُّنُ عِندَهمْ

(غولٌ) يبيدُ محاسِنَ الأوْطان
يُفنِي الحياة َ وَ حسْنها وَ عطاءَها

وَ يُزيلُ عِطرَ زُهورها بدُخان
خدّاكِ .. ما خدّاكِ ؟ أينَ سَناهما

متلألِئاً بجمالِهِ الرَّباني ؟
(الغوطتان ِ) .. وَ مَنْ رَأى فيما رَأى

كِالغوطتين ِ عَلى مَدى الأزمان ِ ؟
ما هذِهِ ؟ أعيونُ قطعان ِ المها ؟

أمْ أنجُمٌ لِمَجرَّةِ ( التبان ِ) ؟
أمْ ذي قنادِيلُ الثمار ِ تضِيءُ بال

عنبِ اللذيذِ الفاخِر ِ (الدَّاراني) ؟(8)
بالجوْز ِ وَالتفاح ِ وَاللوْز ِ ازْدَهى

وَ التين ِ وَ الزَّيتون ِ وَ الرُّمان
بالتوتِ وَالدُّرَّاق ِ والخوْخ ِ انثنتْ

أغصانهُ .. بالمِشمِش ِ (الكِسْواني)(9)
بضَفائِر ِ الكَرَز ِ الشهِيِِّ عَلتْ عَلى

أثداءِ كمثرى بصَدْر ٍ حَان
تلقى الغِذاءَ هوَ الدَّواءَ وَمُتعَة َ

الأرْواح ِ وَ الأفكار ِ وَ الأبدان
في الظلِّ وَالطعم ِ اللذيذِ وَرَوْعةِ ُ

الأشكال ِ وَ الأحْوال ِ وَ الألوان
وَ (الرَّبوَة ُ) الغناءُ ثغرٌ باسِمٌ

دَوْماً .. كبسمةِ وَرْدِكِ (الدَُوماني)(10)
بحرُ الجمال ِ يَطِيبُ في أمْواجهِ

الإبحارُ للأبصار ِ وَ الآذان
وَ عَلى بساطٍ سُندُسِيِّ أخضر

رَسَمَتْ يَدُ الأزهار ِ رَوْضَ جنان
لوْلا هَوَاؤكِ ما تعلمْتُ الهَوَى

ريحُ الصَّبا بهبوبهِ أصْبانِي
هَلْ زُرْتها وَ جَلستَ متكِئاً على

خَدِّ المرُوج ِ برَوْضها الفيْنان ِ ؟
وَنظرْتَ حوْلكَ – مااسْتطعتَ – مُتابعاً

شتى محاسِنها بكلِّ مَكان ِ ؟
وَسمعتَ تغريدَ الطيور ِ طلِيقة

وَ يَدُ النسائِم ِ لامستْ بحَنان ِ ؟
وَ خريرَ شلال ٍ وَ هَمْْسة َ جَدْوَل

سَبحَتْ على أمْواجِهِ العْيْنان ِ ؟
عبَقُ الزُّهور ِ يَفوحُ دَفاقَ الشذى

فتمِيسُ فِيهَا مِيسَة َ النشوان
وَ تخالُ أنكَ (قيصَرٌ) فِي ملكِهِ

عِزّاً .. و (كِسْرى) الفرْس ِ في الإيوان
***

لوْ شِئتِ صِحتِ فكنتِ أصدَقَ صادِع
بالحَقِّ .. يوقِظ ُ غفلة الوَسْنان

وَ كشفتِ غدْرَ الطامِعينَ شراهَة ً
منْ يستغلُّ تِجارَة َ (الإسْكان ِ)

ترَكوا القِفارَ بلا بناءَ.. وَ أتخمُوا
المَزْروعَ وَ المَغروسَ بالعُمْران

وَلقلتِ : ما هذي الصحارى أطبَقتْ
حَوْلي مِنَ الإسْمنتِ وَ (الصَّوَّان ِ) ؟

ما قصَّ أحشائِي قصيٌّ .. إنما
أخشى الأذى وَ الجَوْرَ مِنْ جيرانِي

أنا جَنة ٌ للصَّالِحِينَ .. فما الذي
أغراهُمُ بنوَازع ِ الشيطان ِ ؟

قالوا : سَنحْمي ( بيئة ً) وَ نصونها
ما النفعُ مِنْ قوْل ٍ بغير ِ مَعان ِ ؟

نامَتْ نوَاطِيرُ الكرُوم ِ .. فعرْبَدَتْ
فِيها الثعالِبُ مِنْ ( بَني رَشوان )

سأظلُّ صامِدَة ً وَ أحْتمِلُ الأذى
وَ أسُدُّ مَجرى الدَّمْع ِ فِي أجفاني

وَ أظلُّ أنتظِرُ الذينَ تعلموا :
أنّ الطبيعة َ مَلجَأُ ُ الإنسان

وَ ضمَانُ لقمَتِهِ .. وَمَصدَرُ أُنسِهِ
وَ مَجَالُ فسحََتِهِ مَعَ الإخوان

فتراهُ يُصْلِحُ لِلجُذور ِ مِهادَها
وَ يَمُدُّ صَدْرَ الجَوِّ للأغصان

قالَ الرَّسُولُ مُوَجِّهاً : لا تقطعوا
شجراً .. وَلا تئِدُوهُ بالنيران

سَأظلُّ أنتظِرُ السّلامَة َ فِي حِمَى
قوْل ِ الرَّسول ِ وَ شِرْعةِ الدَّيان

لِيَتوبَ عَنْ جرْم ِ العقوق ِ خلائِفٌ
رَضََعتْ صَفاءَ العيْش ِ في أحْضانِي

حَقي بأسبابِ الحياة ِ تراهُ في
التوْراة ِ وَ الإنجيل ِ وَ القرْآن

غابَ الأمانُ لِغيبة ِ الإيمان ِ فان
تظِروا رُجوعَ الأمْن ِ وَ الإيمان

مناسبة القصيدة

ماذا تعْنِي غوطة ُ دمشق ؟ إنه اسْمٌ اختزنتْ فيه المعاني العظيمة: جَلالُ التاريخ .. وجَمالُ الطبيعة .. والظلّ والأمْنُ .. والمُتعَة ُ ُوالسُُّرور .. والصِّحّة والعافية .. والغِذاءُ والدّواءُ .. والغِنى والثراءُ ....! غوطة دمشق : غابة ٌ من الأشجار المُثمِرة لِعَشرات من أنواع الثمار ... ومساحاتٌ واسعة لشتى أنواع الحُبوب والخضْراوات ... وكلها تحِيط بمدينة دمشق إحاطة َ الجَنة بأهْلِها .. ولذا كان القدماءُ يَعُدُّونها من عَجائِبِ الدُّنيا السّبع .. وهي تقسَم إلى قِسْمَين : الغوطة الغربيّة والغوطة الشرقيّة . ولكنّ الفناءَ يَسْري في غوطة دمشق كما تسري النارُ في الهَشِيم .. تزحفُ عليها مناشيرُ وفؤوسُ الجاحدين لخيرها لِتقطعَ جُذوعَها وتقتلعَ جذورَها .. كما تزحفُ عليها مطامعُ تجّار البناءِ لِيَطؤوها بأقدام الجُدران .. وحَوافِر ِ العُمْران .. وهكذا تنقلبُ الطبيعة ُ الغناءُ إلى كُتل ٍ صَمّاءَ مِن الإسمنت المسَلح .. بينما الأراضي الوَعِرة مُهْمَلة ٌ لا يَكادُ يَبْنِي عَليها أحَدٌ ...! فهلْ حلَّ – أو اقتربَ – ذلك اليومُ الذي تصبحُ فِيهِ غوطة ُ دِمَشْقَ مِنْ المعلومات التاريخِيّة المَنسِيّة كَحَدائق بابلَ وبساتين سَدِّ مأرب ؟
© 2024 - موقع الشعر