أحلام الموتى - محمد ناصر المنصور

أحلام الموتى*
 
ضاحك بالليل عن مصرعه
حدث الناس بمالايعقلون
 
حدث الأيام عن زلاته
عن زمان لاترى فيه العيون
 
يوشك السكران من نشوته
يشتري كسرى بسيف الأرطبون
 
وينادي الأرض تعليه سما
فوق قرن الثور غطتها السنون
 
فاشترى بالأرض معسول اللمى
طفلة تلبس جلد الحيزبون
 
كان سيفي مذ غزا خاصرتي
ميتاً لكنكم لاتعلمون
 
كنت بالأمس عليكم حارسا
وعلى نفسي نفس لاتخون
 
غيرأني اليوم في أشداقكم
زبد سمح الخطا ثر هتون
 
إن بكى حق لعينيه البكا
لو تمنى الموت فيمايصنعون
 
المغنون عليكم أقبلوا
يملأون البحر يطغى يغرقون
 
والعشيات عليهم هوّم
يتسنمن غصون الزيزفون
 
قصة ضاجعتموها خلسة
أنجبتكم من سراديب الظنون
 
في أياديكم دبابيس الرقُى
تقطع البحر ويطويها السكون
 
كتباً صفراء في مشرقها
زمن شدت خطاه الأربعون
 
كم قلبنا الدهر في أقلامنا
وقرأناه على مايشتهون
 
والحروف السود في أوراقكم
من بياض الشيب تمحوها القرون
 
احفروني في صدور بعدكم
هوة تحفظ مالا تحفظون
 
اجعلوني مركبا في بحركم
غارقا والناس حولي يضحكون
 
ربما أحلم أني بالرؤى
مالك الدنيا وأنتم معدمون
وبأني سيد في قومه
والأعادي عن قناتي مهطعون
 
إن أحلامي صدى أحلامكم
ياصباح الخير دعهم يحلمون
 
إن ليلى غيّرت عشاقها
الأحباء لديها الأرذلون
 
غادة باعت حياتي أهلها
واشترتني من حياتي بالديون
 
كان صمتي جهرها إن نطقت
كان جهري صمتها إذ ينطقون
 
ليلها الموسوم في أبوابه
كأس عشق أورقت فيها الغصون
 
سبعة تعتادها تغتالها
تعتلي السبع على فيض الشئون
 
ربما يبعث طير ثامن
ربما ينبت للطير قرون
 
ينطح الغيمة في مشرقها
تتهادى في أياديه المزون
 
اسمحوا لي أُكمل الحلم غدا
أنا أدري أنكم لاتسمحون
كان في النوم حبيبي زارني
يعلك العجمة فيمن يعلكون
 
عربي سحنة براقة
تخدع الساري وتحدوها المنون
 
ودمانا من شعوب عدة
قاتلتنا أسبلت منا الجفون
 
اقتلونا إن فينا نشوة
أننا القتلى وأنا النادب_ون
 
ياعباد الله من يدفنني
ليس لي قبر وأنتم تدفنون
 
قد سألت الريح فاجتازت به
تسأل الناس وأنتم تسألون
 
أيها القادم من أعماقنا
يازمان الوصل في ليل المجون
 
خذ زكاة الموت من أحفادهم
ابنة للنيل أو بنتي لبون
 
جربوا الموت على مرثيتي
جربوه إن للموت فنون
 
موتكم سهل على أعدائكم
إنما الأصعب ألا تقتلون
هل تموت الأرض إلامن دم
تشرب الأرض دماها وتهون
 
ربما تهتز تربو بالدما
يتهادى في رباها الطيبون
 
فاغروا الأفواه في وجه السما
أبصعون أكتعون أجمعون
 
يأكلون الجوع في أعماقهم
واليتامى من دماهم ينسلون
 
غُلب الروم ولم ندر بهم
أنهم من بعد غلب يغلبون
 
المُعيديون بالأمس أتو
مادهاهم عن حماكم يرحلون
 
خطبة تتلى على أعتابها
سجلوها واقرأوها في المتون
 
ليت أما بعد في أحشائها
تتمطى بعصاها في جنون
 
تٌرجع الأمس على أعقابه
مقدسي اللحن جبارا حنون
 
فيه مافيكم ومنكم مابه
إن تناسيتم فرارا تذكرون
هل صلاح الدين إلاناركم
كيف أسكتم لظاها في البطون
 
كيف صليتم على جثمانها
وهي للموت حراب في الجفون
 
زمن الردة فيكم ماارتوى
باسط كفيه للحرب الزبون
 
ليس للإرهاب فينا منزل
نحن قوم في حمانا آمنون
 
تقتلون الناس في رأد الضحى
بسم دين الله قلنا تكذبون
 
ليس دين الله فيكم لعبة
لا ولاكنتم به تستهزؤن
 
أي دف قد لطمتم وجهه
كان يبكيكم وكنتم ترقصون
 
أين درعي ماتمسكتم بها
خلفها الأمجاد من خلف الحصون
 
البسوني حلة مقلوبة
سمي الأنثى وترياقي الظنون
 
واجعلوا اهواءكم لي شفرة
أقرب الناس اليها الأقربون
 
إن عصرا يعربيا قد مضى
كان خيرا ياعساكم تجهلون
 
كان خيرا من زمان ضمكم
وزمان بعده دون فدون
 
كيف نرجو اليوم أنْ نحيا غدا
وغدا يالهف نفسي من نكون
 
* القيت في مهرجان الجنادرية عام 1996
© 2024 - موقع الشعر