تغريبة بني عصران - أحمد علي سليمان

سَلا القلبُ بالأحباب ما عادَ يَخفِقُ
وبَشَّ للقيا مُكرَمين تحَلقوا

ورَحَّبَ نهرُ النيل بالكلِّ باسماً
وأشرقَ زرعُ الشَّط والماءُ غيدَق

ووافى شريط أخضرٌ يَبعثُ الهنا
بيَنْع وأثمار ، بها الرَّوضُ مُورق

بتربة وادٍ لا يُبارى اخضرارُها
وريفِ صَعيدٍ بالمحاصيل مُشرق

ومَركَبُ صَيدٍ وسْط نيل يُمِدُّها
بأطيب أسماكٍ غدَتْ تتألق

و(تغريبة) طابتْ ، وطابَ سِياجُها
تُرحِّبُ بالأضياف في العيش ما شقوا

مناظرُها خلابة تختلُ الحِجا
ورُعيانٌ كانوا غرَّبوا ، ثم شرَّقوا

وساحلُ رمل يَحضنُ الخَصبَ والنما
به كلُّ نفس عَفةٍ تتعلق

وأجرانُ فيها مِن جَنى الزرع حِصَّة
كأني بها تسْبي الذي يتشوَّق

وأبياتُ تأوي مِن غطاريف قومِنا
رجالاً وأفذاذاً ، على الرَّبع أشفقوا

وغِيطانُ قمح بالسَّنابل أينعتْ
تُغازلُ مَن يهوَى ويسلو ويعشق

تسُرُّ الذي يأتي إليها ، وتحتفي
بقوم بها بين البرايا تعلقوا

وترسِلُ باقاتٍ من السَّعد والوفا
لزَوْر أتوْها شوقهم يتدفق

وأطيارُها أضحَتْ تُغرِّدُ فوقها
تُهنيءُ مَن حَلّوا ورَقوا وأشفقوا

وتبعثُ فينا صَحوة الجدِّ والمَضا
لنبصرَ بالآمال طوعاً تُحقق

وألحانُها في الجو تُشجي سماعَنا
وما لحننا إن بات طيرٌ يُشقشِق؟

وأنغامُها في التوِّ طابتْ لمُنصتٍ
لها عَبقٌ يحلو وجَرْسٌ ورَونق

تُزيلُ مِن النفس الكسيرة وَجْدَها
فيذهبُ عنها ما يُشينُ ويُقلق

ونخلٌ يُباهي بالجزيرة مَوئلاً
وإنْ حلَّ صَيفٌ صار بالتمر يُغدِق

بساطة عيش لا تسلْ عن طيوفها
ورقة حال لا تكادُ تُصَدَّق

ألا إنها (تغريبة) ليس مثلها
لها منظرٌ يَغزو المشاعرَ شَيِّق

بناها (بنو عصران) فوق وهادهم
وجادوا بأفكار ، وجَدُّوا ، وأنفقوا

وجئنا ضيوفاً يَقدُرُ الأهلُ قدرَهم
بنو عَمِّنا بالمَكرُمات تخلقوا

لأن القِرى دَينٌ وطبعٌ ودَيدَنٌ
أتوا بخِوان طيِّب ليس يُسْبَق

وجاؤوا بأصناف الطعام شهية
فبورك مطعومٌ ، وشهمٌ يُنسِّق

خِوانٌ حوى مِن كل نوع ونكهةٍ
كأن الذي آوى وضَيَّفَ (فندق)

لكَ الخيرُ لو طالعتَ مِقدارَ جُودهم
وتُطرِبُ لقياهم وقولٌ ومنطق

وعند اللقا ناهيك عمَّا تكلفوا
فترحابُهم بالضيف ما خِلتُ يُلحَق

وما قصَّرَتْ بي في التحايا قصيدتي
ولا شط بي شِعرٌ يُدَسِّيهِ مَزلق

ولكنني ناولتُ شِعري يَراعتي
فأمسى بأخلاق النشامى يُحَلق

ووصَّفَ توصِيفاً يَليقُ بسادةٍ
وقابلَ ما يَلقى بما هو أليق

لعلي بهذا الشِّعر أوفي قرابتي
بما قلتُ أطريهم ، ولا أتملق

فيا ليت شِعري كيف أوفي جَميلهم
بأبياتِ شِعر كم تُضييءُ وتغسق

جلسْنا جميعاً يَغبط الشوقُ جَمعَنا
وكلُّ فتىً ألفاظه تتأنق

نقولُ بلا حِذر ، ونعرضُ رأينا
بلفظٍ رشيدٍ ليس فيه تشدُّق

نصارحُ لا نغضِي حياءً عن الخَطا
وننصحُ لا نغوي ، ولا نتحذلق

فلله وادٍ ضمَّنا في (جزيرةٍ)
ونيل يرى ما نحن فيه ، ويشفق

نظرنا إلى (المِنشاة) تختالُ في السَّنا
ويَفصلنا نهرٌ وماءٌ وزورق

و(كُولتُنا): (نجعٌ) يُداني (جزيرة)
تُباهي بمِنشاةٍ تُحَبُّ وتُعشَق

وتذكرُ شيخاً صِيتُه عَطرَ الدُّنا
كأني به شمسٌ تغيبُ وتُشرق

هلا ب (ابن صِدِّيق) يرتلُ حادياً
فيُمتِعُ أقواماً به كم تعلقوا

يَميناً تسلينا ، وطابتْ نفوسُنا
وما أصعبَ اللقيا يليها تفرُّق

لك الله يا (فوليْ) اشترطت لقاءنا
فلبيتُ عن شَوق ، ووعدي مُحقق

لئن كنتَ أكرمت الضيافة ، فابتشِرْ
فجهدُكَ مشكورٌ ، وجُودُكَ بَيرق

فبارك ربي في الدِّيار وأهلها
وسبحان مَن يُعطي الأنامَ ويرزق

وأوصيك يا (فوليْ) ، الزواجُ شعيرة
في ظِلها كلُّ الصَّفا يتحقق

وهذا سلامي في خِتام قصيدتي
يُعطرُه شوقٌ بكم متعلق

عليك سلامُ الله يا ابن عُمومتي
وشِعري لفرط البَين كم يَتحرق

مناسبة القصيدة

(إنه في يوم الجمعة الموافق الخامس عشر من شهر شوال لسنة ألفٍ وأربعمائة وسبعة وأربعين من هجرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام ، والموافق الثالث من أبريل لسنة ألفين وستة وعشرين من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام ، كنت في الكولة بالصعيد ضيفاً على ابن عمي الشاعر الكبير الفولي عصران! وبعد غياب طويل التقيتُ به وبأصدقاء وأهل وأعمام وأبناء عمومة هناك من صعيد مصر ، وتحديداً في (الجزيرة) التي هي جزء من قريتي الصعيدية الجميلة: (الكولة)! فبعد وصولي في ليل البارحة للكولة هناك في النجع حيث بيت والدي وبيوت إخوتي وأبنائهم ، نزحتُ في الصباح إلى الجزيرة حيث الأعمام وأبناء العمومة! وكنت في ضيافة شاعر السواقي ابن عمي الأستاذ الفاضل الفولي عصران! والذي احتفى بنا ووقرنا وأعد لنا قِرى ضيوفٍ أكابر (7 نجوم) كما يقولون! ناهيك عن الفواكه والمشروبات الجميلة والشاي الصعيدي الساخن الفاخر في هذا الصباح البارد نسبياً! وبعد مراسيم صلاة الجمعة المباركة ، تجاذبنا أطراف الحديث حول عدد من الموضوعات الخاصة والعامة ، المُلِحَّة وغير الملحة! حقيقة يجب أن نسلم بها أن في لقاء الأحبة بعد زمن يتبدل شعور الحنين إلى شعور مشرقاً شمس أمل جديد وطالع سعيد وتفاؤل فريد. إن لقاء الأحبة بعد الغياب عنهم له وقعٌ خاصٌ في الروح المشتاقة والقلب المشتاق ، ففيه إحساس رفيع رائع يحتضنه القلب بين الحنايا ، كلقاء الأرض للمطر ، واحتضانها له بعد طول الانتظار. نعم إن لحظة اللقاء بعد الغياب تشبه المطر الذي ينعش أرضاً جرداء قاحلة. فما كان هذا اللقاء ليكون الأول ، ولن يكون الأخير! بل سوف تتبعه لقاءاتٌ كثيرة إن شاء الله تعالى! إن قصيدتي: (تغريبة بني عصران) لتعبر عن السويعات التي عشتُها في ذلك اللقاء الأخوي الجميل في حضن النيلة في (الجزيرة)! وحاولت فيها جاهداً تصوير ما عشته من المواقف والنقاشات والمشاركات! وعسى الله سبحانه وتعالى أن يبارك في أعمامي وأبنائهم وأحفادهم ، فلقد أكـرمـونـي ، أشد ما يكون الإكـرام!)
© 2026 - موقع الشعر