مروءة عاشق محترم - أحمد علي سليمان

نِلت المُنى بصَنائع المعروفِ
ودَحَضْت بالحُسْنى عَتِيَّ صُروفِ

وضَمَدت جُرحاً أغرقتْه دماؤهُ
وكأنه مُتوشِّحٌ بنزيف

ووضعت قلبَكَ في لظى آلامه
ودماؤه حاكتْ هطولَ رُعوف

والعِشقُ داءٌ لا سبيل لدفعه
إلا زواجُ أليفةٍ بأليف

ليلاك ضَحَّتْ في السِّجال بقيسها
وتذرعتْ عند اللقا بعُزوف

وعَدتك ، والإخلافُ جَندلَ وَعدَها
وتعللتْ بفؤادها المصروف

لمَّا يكنْ عشقُ الحبيبة صادقاً
إذ توَّجَته بزخرفات زيوف

ما انفكتِ الأوجاعُ تأخذ ثأرَها
ممن أحالتْ عِشقها لطيوف

وانصاعتِ الوَجَعى لعُرف قبيلةٍ
وتنكرتْ لصنائع المعروف

وظلِلت وحدك في مرابع خذلها
تجترُّ شَجوى خذلها المكشوف

وتلوكُ ما صَنعَ الشِّماتُ بعاشق
مُتفضِّل دَمِثِ الطباع عفيف

لم يتخذ خذلَ العشيقة خِنجراً
ليناول الطعناتِ دون (كُسوف)

بل كابدَ النفسَ اسْتُبيحَ إباؤها
وطوى تماسُكها عَتيُّ ظروف

وصَنعت ما لا يُستطاعُ صَنيعُهُ
منذ استبدتْ أزمة بضعيف

وحضرت عُرساً دندنتْ أنغامُه
وبناته ضربتْ برِق دُفوف

ووضعت في الظرف (النقوط) مبارِكاً
وبسطت كفاً تحتفي بضيوف

وتركتها تحيا كما رَغبتْ ، فلم
تُشهرْ على ليلاك نصلَ سيوف

ووأدت ترويج الإشاعة قانعاً
بالصِّيت يَفخرُ في الورى بشريف

وكتبت قِصَّة عاشق متجرِّدٍ
في حُبِّه مُستعففٍ غِطريف

وغريمُك ابتسمتْ له أيامُه
في العُرس شَقَّ الدربَ بين صفوف

وعروسُه سعدتْ به ، واستبشرتْ
واسْتمتعتْ حقاً بخير وليف

لله ربي في الخلائق شأنه
هذي الخلائقُ قسِّمَتْ لصُنوف

فدنيءُ قوم ليس قط كعَفهم
شتان بين مُدنس ونظيف!

مناسبة القصيدة

(أحبها وأكرمها ذلك العاشق المحترم! وقليل هو في العشاق الغابرين أو المعاصرين ذلك العاشق المحترم المؤدب المنصف العفيف! حيث إن المحبوبة نزلت على عُرف القبيلة فقبلت بابن العم حليلاً لتنتهيَ قصة الصراع تلك! فعندما أحبت سواه وقررت الزواج به ، تركها عاشق قصيدتنا وبارك لها الزواج وأعطاها من ماله لتعيش سعيدة! فضرب المثل في الاحترام والتعفف والأدب والنزاهة والمروءة! جاء في موقع (الدرر السنية) تحت عنوان: (المروءة في العشق) ما نصه بتصرفٍ بسيط: (قد يظُنُّ ظانٌّ أنَّ المُروءةَ والفُتُوَّةَ شَيءٌ واحدٌ لا يختَلِفانِ في معناهما ، وليس ذلك بصحيحٍ ، بل بَيْنَهما فرقٌ واضحٌ ، وهو أنَّ المُروءةَ أعمُّ من الفُتُوَّةِ ، فالمُروءةُ هي ما يتخَلَّقُ به الإنسانُ ممَّا يختَصُّ به في ذاتِه ، أو يتعدَّى إلى غيرِه ، بينما الفتُوَّةُ ما يتخَلَّقُ به الإنسانُ ، ويكونُ متعَدِّيًا إلى غيرِه. قال ابنُ القَيِّمِ في التَّفريقِ بَيْنَهما: (المُروءةُ أعَمُّ منها؛ فالفُتُوَّةُ نوعٌ من أنواعِ المُروءةِ ؛ فإنَّ المُروءةَ استعمالُ ما يَجمُلُ ويَزينُ ممَّا هو مختصٌّ بالعبدِ ، أو متعَدٍّ إلى غيرِه ، وتَركُ ما يُدَنِّسُ ويَشينُ ممَّا هو مختصٌّ أيضًا به ، أو متعلِّقٌ بغيرِه ، والفتُوَّةُ إنَّما هي استعمالُ الأخلاقِ الكريمةِ مع الخَلقِ). فما الفَرْقُ بَيْنَ المُروءةِ والشَّهامةِ؟: إذا كانت المُروءةُ كما ذكَرناها من قَبلُ هي: (قوَّةٌ للنَّفسِ مبدَأٌ لصُدورِ الأفعالِ الجميلةِ عنها المستَتبِعةِ للمَدحِ شَرعًا وعَقلًا وعُرفًا) ؛ فإنَّ الشَّهامةَ هي: (عزَّةُ النَّفسِ وحِرصُها على مباشَرةِ أمورٍ عظيمةٍ تَستتبِعُ الذِّكرَ الجميلَ) ، فكأنَّ المُروءةَ مُقَدِّمةٌ للشَّهامةِ ومبدؤُها).هـ. وإذا كان ذلك كذلك فإن عاشق قصيدتنا فعل مع عشيقته ما تقتضيه المروءة والرجولة معاً! فلم يعاقبها على عشق غيره والزواج منه كما يصنع كثير من عشاق زماننا الذين لا مروءة ولا رجولة عندهم!)
© 2026 - موقع الشعر