صرخة تنجب مستشفى - أحمد علي سليمان

أحيي بأشعاري (النشامى) مُفاخِرا
وكم أكْبَرُ الأجوادُ في الناس شاعرا

هنالك في (الخرطوم) كانت حكاية
تُسَلي فؤاداً للخواطر جابرا

تُعاني مِن الآلام في البطن (حُرمة)
وتأتي لزاكي الدين والليلُ قد سرى

وتقتلها الأوجاعُ تُودي بعزمها
وما زوجها يدري بتاتاً بما جرى

وأنشأ (زاكي الدين) يُجري جراحة
وهذا هو الحلُّ الوحيد ، ولا مِرا

وأيقنَ زوجُ السِّت مَوتاً مُحققاً
وأمسى كسيرَ الحال يَصمُتُ حائرا

وعَللَ نفساً قد تشتت شملها
وصَبَّرَ قلباً – في المصيبة – خائرا

وجَمَّلَ رُوحاً بالتحمل ريثما
يكون شفاءٌ يجعلُ القلبَ سامرا

وحول (السفير) استكانت لحزنه
ضيوفٌ تُواسي ، آزرتْه من القرى

وينقذها الرحمنُ مِن عِلةٍ قستْ
ومجهودُ (زاكي الدين) أصبح ظاهرا

وعادت إلى (اليابان) مِن غير عِلةٍ
وأصبح (زاكي الدين) لله شاكرا

وقالوا له: اطلبْ ما تريدُ طبيبَنا
تجدْه أمام العين في التوِّ حاضرا

فقال: الذي أرجوه مَشفى لبلدتي
حديثاً يُلبي حاجة القوم فاخرا

شرعتُ أسمِّيهِ (ابنَ سينا) تيمُّناً
بأرجى طبيب كان بالطب خابرا

عجيبٌ أتأتي صرخة مِن مريضةٍ
بمَشفى به السودان أمسى مُفاخرا؟

مناسبة القصيدة

(أما قصة هذه القصيدة فمشهورة ، ونشرت في أكثر من كتاب! واهتمت بنشرها في حينها أغلب الصحف والجر ائد والمجلات والدوريات السودانية! إنه في ﻣﻨﺘﺼﻒ ﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﻴﺎﺕ أمسكت اﻣﺮﺃﺓ يابانية في مدينة اﻟﺨﺮﻃﻮﻡ بطنها ، ﻭصارت ﺗصرخ من الألم. ولم يكن يدري أحد أن مستشفى ولدت في الصرخة! فهذه الصرخة أنجبت ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ (ﺍﺑﻦ ﺳﻴﻨﺎ) ﺃﻋﻈﻢ ﻣﺴﺘﺸﻔيات ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ! فكيف ذلك؟! هذه ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻧﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺯﻭﺟﺔ ﺳﻔﻴﺮ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ ، ﻭﻛﺎﻧﺖ في الوقت نفسه ﺍﺑﻨﺔ ﺍﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ. ومع استمرار صراخها استنجد ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺑﺎﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ السودانية ، ﻭوجهته ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻟﻰ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ''ﺑﺤﺮﻱ''. لكن الرﺟﻞ انطلق ﺑﺰﻭﺟﺘﻪ ﺇﻟﻰ أقرب ﻤﺴﺘﺸﻔﻰ لأسعافها ، وﻫﻨﺎﻙ وجد ﺍﻟﺤﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﻤﻐﻄﺎﺓ ﺑﺎﻟﻘﺎﺫﻭﺭﺍﺕ ﻭﺍأﺭﺽ ﺍﻟﻤﺒﻘﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ. فطلب ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﻤﻔﺰﻭﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ، ﺃﻥ ﻳﺘﻜﺮﻡ ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻔﻲ (ﻟﺘﺴﻜﻴﻦ) ﺃﻟﻢ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺣﺘﻰ ﺗﺼﻞ ﺍﻟﻰ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ. لكن ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ''ﺯﺍﻛﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﺣﻤﺪ ﺣﺴﻴﻦ'' نظر ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻭقال له ﺑﻬﺪﻭﺀ: ﻣﻌﺬﺭﺓ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻫﺬﻩ ﺑﻘﻲ ﻟﻬﺎ ﺳﺎﻋﺘﺎﻥ ﻟﻠﺠﺮﺍﺣﺔ. ﻭﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻟﻌﻠﻪ ﺍﻟﻔﺰﻉ ﻭﺍﻟﻴﺄﺱ ﻫﻤﺎ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻳﺴﺄﻝ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﻋﻤﺎ ﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﻔﻌﻞ فأجابته: ﻧﻌﻢ! أﺧﻀﻊ ﻟﻠﺠﺮﺍﺣﺔ ﻫﻨﺎ! ﻭأجرى الدكتور اﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﺯﺍﻛﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﺮﺍﺣﻴﺔ بالأدوات البسيطة. ﻭبقي ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻳﻨﺘﻈﺮ في الخارح ويهييء نفسه لسماع ﻧﺒﺄ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ. ﻟﻜﻦ باب غرفة العمليات فتح ، وخرجت ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺗﻤﺸﻲ مقبلة عليه! فطار بها ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﺃﺿﺨﻢ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ. ﻓﻬﻲ ﺍﺑﻨﺔ ﺍﻻﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ! ﻭﻫﻨﺎﻙ أخضعوها للفحص الدقيق ، وﺑﻌﺪ ﺳﺎﻋﺘﻴﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ ﺗسأﻝ السفير: ﺃﻳﻦ ﺃﺟﺮﻳﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﺑﻬﺎ؟ ﻗﺎﻝ: ﻓﻲ ﺑﻠﺪ بأفريقيا ﺍﺳﻤﻪ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ. ﻭﻃﺒﻴﺐ ﺍﺳﻤﻪ: ﺯﺍﻛﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ. ﻣﺎﺫﺍ ﻫﻨﺎﻙ؟ ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﻫﺬﺍ ﻃﺒﻴﺐ ﻣﻌﺠﺰﺓ. ﻭﻟﻦ يحول شيء ﺩﻭﻥ ﺩﻋﻮتنا لهذا ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ! ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﻟﻠﺒﺮﻭﻓﻴﺴﻮﺭ ﺯﺍﻛﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ أتت ﻣﻦ إﻣﺒﺮﺍﻃﻮﺭ اليابان نفسه! ﻭﻫﻨﺎﻙ سألوه: ﻣﺎﺫﺍ ﺗﺘﻤﻨﻰ؟! اﻃﻠﺐ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ. والعجيب لم يطلب شيئاً لنفسه! بل ﻗﺎﻝ: ﺍﻃﻠﺐ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﻟﻠﺴﻮﺩﺍﻥ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ يكون حديثاً متطوراً! فكان ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺍﺑﻦ ﺳﻴﻨﺎ ﺑﻤﻌﺪﺍت ﺣﺪﻳﺜﺔ ﺟﺪﺍً. ﻭالتي ﺗﺠﺪﺩ ﻛﻞ ﻋﺎﻡ! ولقد توفي هذا الجراح القدير د. زاكي الدين أحمد حسين يرحمه الله! توفي دون أن يدري أحد به. لا موكب مهيب ولا وداع يليق. لأنه عالم جليل محب لبلده منكر لذاته. فكيف نسمع عن رحيله؟! ننشرها تقديرآ لهذا الرجل الإنسان العظيم الذي لم يفكر في مصلحته الشخصية ، ولكنه كان أكبر من كيانه الخاص لقد كان كبيراً بقدر مساحة وطنه وأمانته الطبية! لقد نجا الدكتور السوداني الكريم من حظ النفس في الشهرة وبروز الأنا!)
© 2026 - موقع الشعر