حياتنا بين لا وإلا - أحمد علي سليمان

ما العيشُ إمَّا هان واختلطا؟
أحقِرْ به بالباطل ارتبطا

أزرى التناقضُ في الحياة بنا
حتى رأينا أمرَنا فرُطا

ماذا نؤمِّلُ إنْ زاغتْ بصائرنا
واستوجبتْ كُبَرُ الورى السَّخطا؟

ماذا نرَجِّي مِن تقاعُسِنا
عن نصر وَضْع بالهُدى ارتبطا؟

حتى متى الفوضى تُسَربلنا
والحالُ بالإسلام ما انضبطا؟

حتى متى العاداتُ تحكمُنا
وتزيدُنا أعرافنا شططا؟

حتى متى تغييبُ شِرعتنا؟
وبها نكونُ الأمة الوَسَطا

حتى متى الأهواءُ تُوبقنا
وبباطل تشريعُنا اختلطا؟

حتى متى جهلٌ وحَذلقة؟
كم عَرقلا نحوَ الرشاد خطى

حتى متى نحيا بلا رَشَدٍ
نسترحمُ الطغيانَ والشُّرَطا

ونريدُ ممن أجرموا فرَحاً
ونريدُ مِن مُتخاذلين عطا

ما هذه الدنيا بباقيةٍ
كم واهم في عِشقها سقطا

يوماً سيمضي حُسنُ زخرفها
ويَضيعُ مَن في وحلها هبطا

والدارُ لن تُؤويْ الألى سقطوا
كالعِقد إمَّا انفك وانفرطا

وتُصِيبُ مَفتوناً بلا تِرةٍ
ليَذوق عُقبى ما به اغتبطا

ويَفوز مَن عملوا لآخرةٍ
الطيبون الصَّفوة البُسَطا

والله ما استويا الألى عملوا
للفوز بالأخرى فهم نُشَطا

والعاملون لنيل عاجلةٍ
هم أرذلُ الأقوام والخُلَطا

يا ربِّ جَنبْنا طريقتهم
والإثمَ ، والبُهتانَ ، والغلطا

مناسبة القصيدة

(إن التناقض الصارخ في حياتنا يؤخر تقدمنا فيها وإحرازنا انتصاراً على هزائمنا يصبح من قبيل الخيال! بألسنتنا: لا إله إلا الله ، وفي الشعائر: لا إله إلا الله! وإذن فالعبادة كلها تقررها (لا إله إلا الله)! ولكن في الأفراح: عبادات تقررها العادات والتقاليد! وفي العلاقات الاجتماعية: عبادات تقررها الأعراف والسلوم والعادات! في السلوك: عبادات يقررها هوى النّفس! في الاقتصاد: عبادات تقررها المصلحة والمنفعة! في الثياب: عبادات تقررها الموضة! في الفكر: عبادات تقررها الحداثة! في الآراء: عبادات يقررها الرأي العام! في الأخلاق: عبادات يقررها عرف المجتمع! في الموازين والقيم: عبادات يقررها عرف المجتمع! في الحَمِيّة: عبادات يقررها عرف المجتمع! في العواطف والمشاعر: عبادات يقررها هوى النّفس! فهل بعد كل هذا نكون مسلمين حقيقيين؟! ولا تزال النصوص في الكتاب والسنة تنهى المسلمين عن هذا التناقض في الحياة! قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾. قال بعض المفسرين: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئاً نقضته بعد إبرامه ، وقال مجاهد وقتادة: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده ، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. وهذا التناقض ليس من صفات المؤمن التقي ، قال تعالى عن نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون﴾. وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون﴾. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي اللهُ عنه أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنتُ آمُرُكُم بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ ، وَأَنهَاكُم عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ"!)
© 2026 - موقع الشعر