وجاء الشفاء بالدعاء - أحمد علي سليمان

دُعاؤنا اللهَ يُقصِي الضنكَ والكَمَدا
وليس يخسرُ مَن يَسترحمُ الصَّمدا

وليس يَغفلُ عن دعائه نَبِهٌ
يمحو الدُّعاءُ بلايا العيش والإددا

أصِيبَ زوجي مُصاباً لا يُفارقهُ
والطبُّ نفضَ مِن جَدوى العلاج يدا

موتُ الدماغ مُصابٌ مُقلِقٌ جَللٌ
يَكوي الفؤادَ ، ويُدمِي القلبَ والكبدا

في عالم أصبح الحليلُ مُنجدِلاً
ولا يُحِسُّ بما نلقاهُ مُذ رقدا

به خسِرنا جميعَ الأهل في رجل
إذ كان حقاً لنا الأهلينَ والسَّندا

فخيَّمَ الحزنُ ، والإيلامُ سَربلنا
وصارعَ البيت ضِيقَ الحال والكَمدا

نعمْ يئِسنا مِن الطبِّ اسْتكانَ لِما
يُقرُّهُ العِلمُ جَدَّ العلمُ واجتهدا

لكنَّ ظناً بربِّ الناس يُؤنسُنا
ويُبهجُ القلبَ إمَّا ربَّه قصدا

وكنتُ ساءلتُ واستفتيتُ مَن عَلموا
قالوا: طلاقي عليه المُرتأى انعقدا

فقلتُ: كلا وبات الصبرُ لي أملاً
ومِن مليك السما أستمطر المَددا

وما مللتُ دعاءَ الله عن رَغب
كم في الدُّعاء حديثُ المصطفى وردا

فليس تُحصَى خيورٌ بالدعا حُصِدَتْ
وقد تحَرَّى الألى دوماً دَعَوْا رَشَدا

واستأذنتْني ابنتي تبيتُ ليلتها
جوارَ والدها ، وقلبُها اتأدا

فقلتُ: وافقتُ والدموعُ تخنقني
وإذ خرجتُ غدَتْ دموعيَ الزبدا

وعنده أكمَلتْ (أسماءُ) ليلتها
تُزجي الدعاءَ ندِياً مُشرقاً غَردا

والدمعُ يَشفعُ ما جادَ اللسانُ به
مِن الدعاء تُناجي الواحدَ الأحدا

وجاءها النومُ مُستلاً مُهندَّهُ
قبيلَ فجر ، فأمسى جسمُها همِدا

فإذ بصوتٍ أسيفٍ ليس تُخطئُهُ
وما استضافتْ هنا في غرفةٍ أحدا

فصوتُ مَن يا تُرى يُشجي مسامعَها؟
والسمعُ مِن زمن طيوفه افتقدا

هذا أبوها شفى الرحمن عِلته
وعاد وعيٌ يُناغِي الروحَ والجسدا

حتى الأطباء مما عاينوا دَهشوا
والبعضُ للآية الكبرى لقد سجدا

أتى بهذا الشفا الدعاءُ يسبقه
دمعٌ تجمَّعَ في العيون ، واحتشدا

مناسبة القصيدة

(البرُّ لا يبلى يا قوم! مقولة ينبغي أن يعقلها اليوم كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد! هذه زوجة تحكي قصة زوجها عام 1415هـ فتقول: كان زوجي شاباً يافعاً مليئاً بالحيوية والنشاط ، وسيماً جسيماً ذا دين وخلق وبار بوالديه. تزوجني في عام 1390هـ ، وسكنت معه في بيت والده كما هي عادة أغلب الأسر السعودية ، ورأيت من بره بوالديه ما جعلني أتعجب منه! وأحمد الله أن رزقني هذا الزوج! ورزقنا الله بنتاً بعد زواجنا بعام واحدٍ ، ثم انتقل عمله إلى المنطقة الشرقية ، فكان يذهب لعمله أسبوعاً ويمكث عندنا أسبوعاً ، حتى أتت عليه ثلاث سنين وبلغت ابنتي أربع سنين! فلمَّا كان اليوم التاسع من شهر رمضان من عام 1395هـ وهو في طريقه إلينا في الرياض تعرض لحادث انقلاب. وأدخل على إثرها المستشفى ودخل في غيبوبة ، أعلن بعدها الدكاترة المختصين المعالجين له وفاته دماغياً ، وتلف ما نسبته 95% من خلايا المخ على حد ما قال الأطباء المعنيون. وكانت الواقعة أليمة جداً علينا ، وخاصة على أبويه المسنين ، ويزيدني حُرقة أسئلة ابنتنا (أسماء) عن والدها الذي شغفت به شغفاً كبيراً وهو الذي وعدها بلعبة تحبها! وكنا نتناوب على زيارته يومياً ، وهو لا يزال على حاله لم يتغير منه شيء ، وبعد خمس سنين أشار عليَّ بعضهم بأن أتطلق منه بواسطة المحكمة بحكم وفاته دماغياً ، لأنه ميئوسٌ منه والذي أفتي بعض المشائخ ولست أذكرهم! فالكثيرون منهم يفتون بجواز الطلاق في حالة صح خبر وفاته دماغياً ، ولكنني رفضت ذلك الأمر رفضاً قاطعاً ، وقررتُ ألا أتطلق منه طالما أنه موجود على ظهر الأرض! فإما أن يدفن كباقي الموتى ، أو أن يتركوه لي حتى يفعل الله به ما يشاء! ولم أفقد الأمل في الله تعالى ، وإن فقدته في الطب وأهله! واستقبلت أمري ، فجعلتُ اهتمامي لابنتي الصغيرة ، وأدخلتها مدارس تحفيظ القرآن حتى حفظت كتاب الله كاملاً وهي لا تكاد تتجاوز العاشرة! وقد أخبرتها فيما بعد بخبر والدها فهي لا تفتؤ تذكره حيناً بالبكاء وحيناً بالصمت ، وقد كانت ابنتي ذات دين ، وكانت تصلي كل فرض بوقته ، وتصلي آخر الليل وهي لم تبلغ السابعة! فأحمد الله تعالى الذي وفقني لتربيتها! وأشكر جدتها التي أعانتني رحمها الله إذ كانت قريبة منها جداً ، وكذلك جدها رحمه الله تعالى! وكانت تذهب معي لرؤية والدها وتقرأ عليه وترقيه بين الحين والآخر وتتصدق عنه بما استطاعت! وفي يوم من أيام سنة 1410هـ قالت لي يا أماه ، اتركيني عند أبي سأنام عنده الليلة! وبعد تردد وافقت! فتقول ابنتي: جلست بجانب أبي أقرأ سورة البقرة حتى ختمتها ، ثم غلبني النعاس فنمت ، فوجدت كأن ابتسامة علت مُحياي! واطمئن قلبي ، لذلك قمت من نومي وتوضأت وصليت ما شاء الله لي أن أصلي! ثم غلبني النعاس مرة أخرى وأنا في مصلاي ، فأحسستُ وكأن أحداً يقول لي: انهضي! كيف تنامين والرحمن ينادي: هل من تائب فأتوب عليه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من داع فأستجيب له؟! كيف تنامي وأنت تعلمين أن هذه ساعة الإجابة التي لا يرد الله عبداً فيها؟! فنهضت كأنما تذكرت شيئاً غائباً عني. فرفعت يدي ونظرت إلي أبي ، وعيناي تغرورقان بالدموع وقلت: يا رب يا حي يا قيوم يا عظيم يا جبار يا كبير يا متعال يا رحمن يا رحيم ، هذا والدي عبد من عبادك أصابته الضراء فصبرنا وحمدناك ، وآمنا بما قضيته له! اللهم إنه تحت مشيئتك ورحمتك ، اللهم يا من شفيت أيوب من بلواه ، ورردت موسى لأمه ، وأنجيت يونس في بطن الحوت ، وجعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم إشف أبي مما حل به! اللهم إنهم زعموا – وهم خلقٌ من خلقك - أنه ميئوس منه ، اللهم فلك القدرة المطلقة والعظمة المطلقة ، فالطف به وارفع البأس عنه! ثم غلبتني عيناي وغالبني النوم للمرة الثالثة ، فنمت قبيل الفجر فإذ بصوتٍ خافتٍ ينادي: من أنت؟ وماذا تفعلين هنا؟ وأين أنا؟ فنهضت على الصوت التفت يميناً وشمالاً ، فلا أرى أحداً ، ثم كررها الثانية بنفس الترتيب والتركيز والنبرة ، فإذا بصاحب الصوت أبي فما تمالكت نفسي! وفرحت فرحة عارمة ، وقلت له: أنا ابنتك أسماء! فسكت وهدأ قليلاً! وخرجت إلى الدكاترة أخبرهم ، فأتوا معي على الفور ، ولما رأوه تعجبوا ، وانقسموا جميعاً فرقاءُ ثلاثة: ففريقٌ سجد لله رب العالمين أن شفى والدي الميؤوس من شفائه ، وفريق سبح لله رب العالمين ، وفريق أثنى على الله بعبارات مختلفة! وقال الدكتور الأمريكي المشرف المباشر على الحالة بلكنة عربية متكسرة: سبحان الله. وقال طبيب مصري آخر: سبحان من يحيي العظام وهي رميم! وأبي لا يعلم ما الخبر حتى أخبرناه بذلك فبكى وقال: الله خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين! والله ما أذكر إلا أنني قبيل الحادث نويت أن أتوقف لصلاة الضحى فلا أدري أصليتها أم لا؟ تقول الزوجة: فرجع إلينا أبو أسماء ، كما عهدته وقد قارب الـ 46 عاماً ، ورزقت منه بو
© 2026 - موقع الشعر