المقابر تتكلم 10 سرقة الجثث - أحمد علي سليمان

طفحَ الكيلُ أيها السُّفهاءُ
واسِعاً حَجِّلتُم ، فطمَّ البَلاءُ

أيُّ دِين يُقِرُّ هذا الترَدِّي
بنصوص يَرضى بها الفهماء؟

أيُّ شرع يَشِي بهذا التعَدِّي؟
أعلمِونا يا أيها اللؤماء

أيُّ عُرفٍ يَأوي لهذا التدَني
باتفاق أدْلى بهِ الآباء؟

أيُّ تقليدٍ يَرتضي مِثلَ هذا؟
رَشَّحَتْه – لأهلها – الأهواء

أيُّ قانون يَرتئِيهِ صَواباً
سَنهُ – للخلائق – الكُبراء؟

إنَّ للقبر هيبة لا تُبارَى
ليس مِنها مَهما اجتهدنا اتقاء

تخلعُ القلبَ الحَيَّ رُؤية قبر
يَعتريهِ خوفٌ يَليهِ رجاء

والعيونُ إنْ عاينتْ قعر قبر
داهمتْها الأحزانُ والأرزاء

كم بكيتُ بين القبور انتحاباً
واحتوتْني البأساءُ والضَّرَّاء

وعلى المَوتى كم حضَرتُ صلاة
فاحتفى بي فيها البَلا والفناء

ثم سِرتُ خلفَ الجنازة أنعِي
حالَ نفسي إمَّا أتاها القضاء

يا تُرى قبري مِن رياض جنان
في ثناياها رَونقٌ وبَهاء؟

أم أرى قبري حُفرة مِن جَحيم
في لظاها يَجتاحُني الاصطِلاء؟

هل تُراني دُفِنتُ دَفناً صَحِيحاً
يُمتِعُ الجسمَ إذ يَطولُ الثواء؟

هل ألّقى عند السؤال ثباتاً؟
يا تُرى ، هل إلى الجواب اهتداء؟

هل أنامُ نومَ العَروس بقبري
مِثلما نامَ الصَّفوة الصُّلحاء؟

هل يَضِيقُ قبري عليَّ ، وأشقى
مِثلما قبلي ذاقها الأشقياء؟

أم يكونُ قبري وسِيعاً فسيحاً
مَدَّ إبصاري ، والرِّياحُ رُخاء؟

نفسُ قولي: هل ضَيفُ قبري كريم
طيِّبُ الريح وجهُهُ مُستضاء؟

أم قبيحٌ هُوْ ، والروائحُ نتنى
يَلزمُ القبرَ إذ يطولُ البقاء؟

ثم يأتي قبري جُفاة عُتاة
يَسرقون الجُثمانَ؟ بئسَ الشقاء

هؤلاء جِنٌ طغى؟ أم أناسٌ؟
أيُّ قوم هم؟ ثم مِن أين جاؤوا؟

يملكون في ذي الصُّدور قلوباً
هل يُحِسُّ بالفعلة السُّفهاء؟

هل لهم في الأجسام أيُّ عقول؟
هل بهم مَسٌّ؟ أم هُمُ عُقلاء؟

حُرمة الموتى أين ولتْ وغابتْ؟
قد تساووا في الحُكْم والأحياء

هل سمعتُم صوتَ الدَّفين يُنادي
اُتركوني في القبر يا وُضَعاء؟

أيَّ ذنب أذنبتُ كي تُخرجوني؟
لكمُ الدنيا ، فارتعوا يا غثاء

منكمُ أحياءُ الدِّيار استغاثوا
أخبروني هل أجرموا أو أساؤوا؟

ثم جاء دَورُ الألى فارقوكم
ارحموا الموتى أيها الخبثاء

إن هذا الدفين في القبر ثاو
حين ضَمَّتْ أشلاءَه الغبراء

كيف طابتْ نفوسُكم حِين جئتُم
للقبور تعلوكمُ الكِبرياء؟

تنبشون القبورَ دون اختشاءٍ
أين ولى مِن النفوس (اختشاء)؟

تفتحون الأكفانَ لا خوفَ يَسْبِي
أنفساً لم يَصقلْ قواها اهتداء

تحمِلون الأجسامَ حَملَ الأضاحي
ثم بعد الإخلاء يُبنى الغِطاء

جُثثٌ عَزلى في القبور استكانتْ
الرُّموز تشتط ، والإيماء

بعضُ أهليها في شقاءٍ وسُوآى
وتُظِلُّ مَن آمنوا النعماء

هل تُباعُ الأجسادُ في السُّوق بَخساً؟
هل مَزادٌ يَجترُّهُ العُملاء؟

أم هناك التقطيعُ وفقَ شُروطٍ
قننوها ، والعدلُ منها براء

جُملة هذا البيعُ دون سَوام
أم تُباعُ الأوصالُ والأجزاء؟

إن هذي القبورَ نادتْ عليكم
إنني الآنَ مِن جُسوم خواء

تسرقون أهلي جهاراً نهاراً
ثم بعتُم حتى يكون ثراء

إن ربي يا هازلين رَقيبٌ
ليس يَخفى على الخبير الخفاء

كلُّ شيءٍ صَنعتموه سيُحصَى
ويكون يومَ التلاقي الجزاء

فافعلوا ما شئتُم ، فيوماً تُجازى
كلُّ نفس ، خابَ الغثا الأشقياء

مناسبة القصيدة

(إن الجنازة ابتداءً من إعدادها من لحظة الخبر عن الميت ، مروراً بتغسيله وتكفينه ، والخروج به من بيته إلى المسجد للصلاة عليه ، وحمله إلى المقبرة ، ووضعه في حفرته ، وإهالة التراب عليه في قبره ، والاستغفار له بعد إغلاق القبر ، كلها أحداث تخلع الفؤاد ، وتوقظ الضمير إن نحن عشناها بقلوبنا لا بعيوننا فقط! وظاهرة استلاب القبور أو سرقة جثث الموتى قديمة جديدة! ونبش القبور محرم باتفاق ، وله استثناءات محددة للضرورة والمصلحة الشرعية ، ويجب إعادة الدفن فوراً في بعض الحالات أو نقله لمكان أفضل إذا دعت الحاجة مع تكريم الرفات ، مع تجنب النبش لأجل الرغبات الشخصية أو المظاهر! ولقد تأثرت جداً عندما علمت باستلاب القبور أو سرقة جثث الموتى! وأحسست بمدى الاستهتار والعبث اللذين يقوم بهما قوم ماتت ضمائرهم ، بموت قلوبهم وعواطفهم وأحاسيسهم! من أجل ذلك كله ، كانت هذه القصيدة الجنائزية!)
© 2026 - موقع الشعر