مَملوكُكَ اليَومَ أَبو حُبِّهِ - صفي الدين الحلي

مَملوكُكَ اليَومَ أَبو حُبِّهِ
مُجتَهِدٌ في خِسَّةِ النَفسِ

يُزاحِمُ الجَمالَ في قوتِهِ
وَيَخزِنُ الفَلسَ عَلا الفَلسِ

يَأكُلُ وَالغِلمانَ في يَومِهِ
فَضلَةَ ما قَد كانَ بِالأَمسِ

يَوَدُّ يُمسي عِرضُهُ مُطلَقاً
وَمالُهُ المَوفورُ في حَبسِ

لا يَعرِفُ الحَمّامَ لَكِنَّهُ
في البَيتِ يَحمي الماءَ في الشَمسِ

إِذا رَأى في قَدرِهِ لَحمَةً
تَلا عَليها آيَةَ الكُرسي

وَإِن رَأى في بَيتِهِ فارَةً
بادَرَها بِالسَيفِ وَالتُرسِ

يُجِلَّ أَن تُدرِكَ رُغفانَهُ
حَواسُ مَن يَأتيهِ بِالخَمسِ

بِالسَمعِ وَالأَبصارِ وَالشَمِّ قَد
تُدرَكُ دونَ الذَوقِ وَاللَمسِ

يُقفِلُ عِندَ الأَكلِ أَبوابَهُ
خَوفاً عَلى الزادِ مِنَ الكَبسِ

فَإِن أَتى ضَيفٌ عَلى غِرَّةٍ
قابَلَهُ بِالتَعسِ وَالنُكسِ

يَلقاهُ بِالتَرغيبِ في الاِحتِما
وَبَعدَهُ بِالخُبزِ وَالدُبسِ

فَإِنَّ تَعَدَّ أَكلُهُ لُقمَةً
رَأَيتَ في أَضلاعِهِ رَفسي

فَهَذِهِ الأَوصافُ مَكسوبَةٌ
أَدرَكَها في غُربَتي حِسّي

قَد عَلِمَ السُلطانُ مِن قَبلِها
أَنِّيَ مِن ذَلِكَ بِالعَكسِ

وَلَم أَزَل في رَحبِ أَكنافِهِ
أَقولُ بِاللَذّاتِ وَاللُبسِ

وَإِن تَراءَت في يَدي بَدرَةٌ
أَتلَفتُها في مَجلِسِ الأُنسِ

فَمُذ ثَناني الدَهرُ عَن رَبعِهِ
وَلَم يَكُن ذَلِكَ في حَدسي

وَجُزتُ في المَتجَرِ مَع مَعشَرٍ
هَمُّهُمُ في الضَبطِ وَالبَخسِ

طَوراً عَلى الرومِ أَرى بَينَهُم
وَتارَةً في بَلَدِ الفُرسِ

فَصِرتُ مِن أَبناءِ جِنسٍ لَهُم
وَاِستَرَقَت أَخلاقَهُم نَفسي

أُحِبُّ مِن في نَفسِهِ خِسَّةٌ
وَالجِنسُ مَيّالٌ إِلى الجِنسِ

وَلَم أَكُن مُستَحدِثاً نِعمَةً
أَفضى بِيَ السَعدُ إِلى نَحسِ

لَكِنَّ شَمسَ الدينِ مُذ مَلَّني
صَوَّحَ نَبتي وَذَوى غَرسي

كَذاكَ كُلُّ النَبتِ مِن شَأنِهِ
يُفسِدُهُ البُعدُ عَنِ الشَمسِ

© 2023 - موقع الشعر