إِذَا لُغَةُ الْقُرْآنِ لَاحَتْ فَكَبِّرُوا - أشرف السيد الصباغ

وَقَفْتُ مَعَ التَّارِيخِ يَوْمًا أُفَكِّرُ
وَفِي "الْأَزْهَرِ" الْمَعْمُورِ طَيْفٌ يُعَبِّرُ

بِأَيِّ حُرُوفِ "الضَّادِ" أَبْدَأُ قِصَّتِي؟
وَكَيْفَ أَعُدُّ الْخَيْرَ فِيكِ وَأَحْصُرُ؟

وَفِي سَاحَتِي الْخَضْرَاءِ أَلْفُ حِكَايَةٍ
تَخُطُّ شُعَاعَ الْعِلْمِ وَالرُّوحُ تَنْشُرُ

وَتَحْتَ لِوَاءِ الْفَخْرِ تَشْدُو مَآذِنِي
وَغَيْثُكِ يَسْقِيهَا الْمَعَانِي فَتُثْمِرُ

فَأَيْنَعْتِ الْأَجْيَالُ قَطْفَ فَصَاحَةٍ
وَفِي كُلِّ قَلْبٍ مِنْكِ نَبْضٌ مُدَثَّرُ

يَفِيضُ نَدًى مِنْ بَيْنِ حَرْفِكِ سَاجِدًا
"يُتَرْجِمُ" مَكْنُونَ الدُّنَا وَ"يُفَسِّرُ"

عَلَى شَاطِئَيْكِ الْفَجْرُ يَبْزُغُ مُثْمِرًا
فَتَهْتَزُّ أَفْنَانُ الْقَوَافِي وَتَفْخَرُ

فَمَا زِلْتِ فِينَا لِلْفُنُونِ حَدَائِقًا
أَيَا لُغَةَ الْأَسْرَارِ رِيحُكِ عَنْبَرُ

وَمَا زِلْتِ فِي خَدِّ الْحَيَاةِ كَشَامَةٍ
وَمَا زِلْتِ شَمْسًا وَاللُّغَاتُ تَقَهْقَرُ

صَبَغْتِ الْمَدَى شَرْقًا وَغَرْبًا حَضَارَةً
وَشَأْوُ سَنَاهَا بِالْكَوَاكِبِ يُمْطِرُ

فَهَبَّتْ جُمُوعُ الْفِكْرِ، تَسْأَلُ: مَا الْخَبَرْ؟
وَأَيُّ لُغَاتِ الْكَوْنِ لِلْخَلْقِ أَخْيَرُ؟

فَقُلْتُ، وَفَيْءُ الْمَجْدِ رَدَّدَ قَوْلَتِي:
"إِذَا لُغَةُ الْقُرْآنِ لَاحَتْ فَكَبِّرُوا"

فَجَلْجَلَ صَوْتُ "الضَّادِ" سُحْبَ سَمَائِنَا
وَأَنْفَاسُهُ فَوْقَ الْمَنَابِرِ تَقْطُرُ

أَنَا، مَنْ أَنَا؟ كَفُّ السَّمَاءِ تَحُفُّنِي
وَهَيْهَاتَ أَنْ يَسْعَى لِخَدْشِيَ قَيْصَرُ

رَمُوزِي كُنُوزٌ تَشْرَئِبُّ تَفَاخُرًا
فَيَنْهَلَ مِنْ نَبْعِ الْبَلَاغَةِ "أَزْهَرُ"

أَيَا "أَزْهَرَ" الْأَنْوَارِ طِبْتَ مُكَافِحًا
وَفِي وَجْهِ الِاسْتِعْمَارِ أُسْدُكَ تَزْأَرُ

طَوَيْتُمْ شُيُوخَ "الْأَزْهَرِ" الْحِقْدَ فِي الثَّرَى
وَصُنْتُمْ رِحَابِي مِنْ عَدُوٍّ يُنَفِّرُ

أَتَى "الْأَزْهَرُ" الْوَضَّاءُ يَنْسِجُ حِكْمَةً
وَقَالَ: وِسَامُ الْمَدْحِ مِنْكِ مُعَطِّرُ

وَعَرْشُ كِنَايَاتِ الْبَيَانِ بِلُجَّتِي
يَصُبُّ كُؤُوسَ الشَّوْقِ فِيكِ فَأُبْحِرُ

فَعَانَقْتُ أَمْوَاجَ الْمَعَانِي بِمُهْجَتِي
وَمَا خِلْتُ أَنَّي فِي هَوَاكِ سَأُسْحَرُ

لَأَنْتِ الْعُلَا مِشْكَاةُ كُلِّ فَضِيلَةٍ
وَرَوْضٌ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ يَزْخَرُ

وَأَنْتِ الْمُنَى مُحْرَابُ كُلِّ سَجِيَّةٍ
وَعِقْدُكِ فِي نَحْرِ الْمَآذِنِ يُبْهِرُ

وَأَنْتِ الْهُدَى لِلنَّاطِقِينَ بِعُجْمَةٍ
بِحُسْنِكِ يُكْسَى اللَّحْنُ "نَحْوًا" فَيَطْهُرُ

وَجَمَّعْتِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِآيَةٍ
لَآلِئِ ذِكْرٍ مَنْ تَلَاهَا سَيُؤْجَرُ

يَمِينُكِ بَحْرٌ لَا يَغِيضُ مِنَ الْعَطَا
وَوَجْهُكِ وَحْيٌ لِلْمَعَارِفِ جَوْهَرُ

وَحَرْفُكِ يَسْرِي فِي الْقُلُوبِ سَكِينَةً
فَيَا لُغَةَ الْفِرْدَوْسِ نَهْرُكِ كَوْثَرُ

عَلَى ضِفَّتَيْهِ الْأُفْقُ يَرْنُو مُغَرِّدًا
وَقَافِلَةُ التَّارِيخِ رَاحَتْ تُسَطِّرُ

"مُحَيَّاكِ صُبْحٌ قَدْ أَضَاءَ خَوَاطِرِي
وَكُلُّ شِهَابٍ دُونَ قَدْرِكِ يَقْصُرُ"

وَأَيْقَنْتُ أَنِّي عَنْ ثَنَائِكِ عَاجِزٌ
فَتَبْسِمُ أَسْرَابُ الْمَجَازِ وَتَعْذِرُ

فَيَا قِبْلَةٌ لِلْكَوْنِ طِبْتِ قَدَاسَةً
سَأَنْظِمُ حُبِّي مَا حَيِيتُ وَأَنْثُرُ

شعر/ أشرف الصباغ

مناسبة القصيدة

قال السيوطي - رحمه الله - في كتابه (الإتقان في علوم القرآن): (وَإِنَّ كِتَابَنَا الْقُرْآنَ لَهُوَ مُفَجِّرُ الْعُلُومِ وَمَنْبَعُهَا، وَدَائِرَةُ شَمْسِهَا وَمَطْلَعُهَا، أَوْدَعَ فِيهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عِلْمَ كل شيء، وأبان فيه كُلَّ هَدْيٍ وَغَيٍّ، فَتَرَى كُلَّ ذِي فَنٍّ مِنْهُ يَسْتَمِدُّ، وَعَلَيْهِ يَعْتَمِدُ، فَالْفَقِيهُ يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ الْأَحْكَامَ، وَيَسْتَخْرِجُ حُكْمَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَالنَّحْوِيُّ يَبْنِي مِنْهُ قَوَاعِدَ إِعْرَابِهِ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ خَطَأِ الْقَوْلِ مِنْ صَوَابِهِ. وَالْبَيَانِيُّ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى حُسْنِ النِّظَامِ، وَيَعْتَبِرُ مَسَالِكَ الْبَلَاغَةِ فِي صَوْغِ الْكَلَامِ. وَفِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ مَا يُذَكِّرُ أُولِي الْأَبْصَارِ، وَمِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ مَا يَزْدَجِرُ بِهِ أُولُو الْفِكْرِ وَالِاعْتِبَارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومٍ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ عَلِمَ حَصْرَهَا، هَذَا مَعَ فَصَاحَةِ لَفْظٍ، وَبَلَاغَةِ أُسْلُوبٍ، تَبْهَرُ الْعُقُولَ، وَتَسْلُبُ الْقُلُوبَ، وَإِعْجَازُ نَظْمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ.)
© 2022 - موقع الشعر