تلك الحماقة القادمة - صباح الدين كريدي

تلك الحماقة القادمة
 
في الممرِّ الطويل أَراكِ تتقدمين
عاصفةً صغيرةً من أَوراقِ الورد.
أَلتجئُ إلى الوجوه المحايدة،
من العينين تدخلين الأوردة
الذاكرةَ القديمة من القلب
توقظينها من سباتها
وتتوغلين...
 
رياح ترتدى كثبان الرمال
رغاب تجرر قاماتها .. وتمضي
عبر غلائل الدمع تُكثِرُ التريثَ والألتفات
إلى المدن الضائعه
إلى الآفاق التي لا تكفُّ عن الغياب..
 
تمشِّط الحياةُ شعرها الطويل
تأخذ زينتها كلَّ صباح
تلقي سؤالها العابر على القلب
السؤال الطعنة
- كيف تراكَ اليوم..؟
وتمضي..
 
الريح تملأُ الأَشرعة
هنالك بين الجبال الواقفة والبحر المفتوح
الرمال تتشمسَّ على الشواطئ البعيدة...
وعرةٌ تلك المسالك الضيقة
القلب المحاصر
الأجفان الكليلة
والقمر الوحيد..
 
تعبرين كحلم
تبتسمين كشمس بين الأغصان،
الكلمات تتكوَّم على المشاجب،
القلب يتجوّل بين أَزهار البراكين،
عيناكِ واحات قريبة
ووعود باسلة،
رغاب تقف أمام الأضواء الكاسفة
كفتيات أمام البحر...
هل أُقبَّل هاتين الشفتين الفصيحتين
هل أَلمسُ هذا العنق الأَسيل
هل أخمد هذا الصوتَ الطالع زنابق من نار
بكثير من الصمت والرماد
وأَمضي كخيط دخان
لأنفجر كنجم بعيد...؟
 
أَضمُّ هذا الجسد الحيَّ
إلى تلك الروح البائَسة
آخذك بين ذراعيَّ وقلبي
تنتشرين غيمةً خارجة تَوَّاً من الموج
أبعثركِ في فضائي كحفنة من رمال
وأَجمعكِ كأصابع اليد..
 
أُحلِّقُ على الشرفات العالية
أَعود للمدن الضائعة
أَرشف القهوة على رصيف بعيد
يرسلني البحر إلى اليابسة
أَتوه في غابات الصنوبر والفلِّيِن
تحت المجرات أدعوكِ إلى خيمة من الحرير والسَّهر
أُعاشركِ كموج البحر
أَدخلكِ كالمدن المسحورة وأضيع فيك..
مهرجان يسكن القلب
نسائم تتطاير في الآفاق
عنكِ أُحدِّث الأشجارَ القريبة والسماء العالية
العصافيرَ والضفاف.....
وأَتساءَلُ هل وجدتُ نفسي الضائعة...
 
عن كنوز الأرض أُنقِّب
ومن أعماق القلب أغني
أفرح وأتلاشى في فرحي
وكجيوش تشقُّ طرقاتِ ظفرها
أَدخلُ القدس وبيت لحم والخليل
أرفع على بلادي التي ضيعتها
لغتي العربية وراياتي،
أرسم على الهواء الصقيل
وجهكِ وعينيكِ
وشعرَكِ الذاهبَ في الريح..
 
عذرَّيتكِ متوهجةٌ
وروحك منتشرة ..
ربيع أخضر
وسماء زرقاء..
أجعلكِ قصيدتي التي انتظرتها كلَّ العمر
اليفاعة والمدن المستعادة..
على الأسوار الباقية أكتب اسمكِ
حروفاً تذوب كعسل في الفم
من القيروان آتيكِ بشيء من التمور
ومن بجاية العديد من قناني النبيذ..
أغلق الشرفة وأدعوك إلى التجول اليوميِّ
من التاريخ نخرج إلى المستقبل
نتلمَّس مسالكه الغامضة.
على تيجان أعمدة الخزان البيزنطي في استانبول
نلقي قطع النقود المعدنية
وعلى جدران آيا صوفيا
نتأمل فسيفساء يسوع والقديسين،
وفي فضاء البوسفور نفرغ ابريق شاي كبير..
نبتكر النكات ونحلم باسمين..
 
زهر البيلسان
والغرف الصامتة...
الفقر يحاصر القلوب المتوهجة فتصدأ،
على الجدران المهترئة
والدهاليز المعتمة
ملصقات لا نجد فيها سوى الترهات.
أسراب الطيور تسلك طرق هجراتها الطويلة،
جيوش غامضة تتربَّص،
نجوم خاوية،
قلب مقيم في الصمت الاضطرارى،
أَتجاهلكِ وتتقدمين..
الساعة المحايدة
الزمن الرملي
جدار في الوجه
طريق مسدود..
 
يتجه القلب إلى الحياة أبداً
وهي تهدر بأنهارها
سهول تخضرُّ
ثمار تَيْنَع،
وهي تتسرَّب مع أشواقنا في الرمال.
كهف العزلة الخامدة ينتظر
أدخل النار الباردة
في المساء المكسور
التقط الساعة الميتة..
دم على برارى الجنون
الجنون لا يكفُّ عن الجنون
الطرقات تائهة عل الطرقات،
بين الروح والجسد
نهارات بحجم الليل
على رقعة الشطرنج الشاسعة
ينتظر اللاعبون..
عروش منتصبة كالهياكل العظيمة
قلب يتدلى بين الأغصان
الصمت يفسح الطريق
طوفان يهدر في الأعماق..
من يفتح الشرفة الواسعة
لتلك الحمامة القادمة..؟!
 
****
© 2024 - موقع الشعر