وجعي رماد - سعاد الكواري

أتسلّلُ من زئبقِ الوقتِ منهوكةً قدمايَ
أتسلّلُ هاربةً من دبيبِ السؤال
أحومُ بقربِ قناديلَ صامتةٍ
أترنّحُ كالشمعِ في هدأةِ الليلِ
ثمَّ أذوبُ على هضباتِ الوجع
أتأمّلُ تلكَ المقاعدَ من خلفنا
وهْى مرصوصةٌ بانتظامِ
الستائر وهي َ تصيحُ وتسكبُ آلامها
ثمًّ تلتقطُ الضوءَ وتهربُ
تاركةً همسةً تتكسّرُ فوقَ الجدار
تحاولُ خرقَ سنابلِ مملكتي
تتلوّى وتزأَرُ خائفةً
فتراوغها بومةٌ قفزتْ
من حدائقَ قد تختفي
في خرائبِ روحي
***
بريقٌ يثرثرُ في الصالةِ الموحشة
خاتمُ الكونِ يرسمُ فوقَ ملامحنا
صرخةً ميّتهْ ثمَّ يفتكُ بالذاكرة
الأصابعُ تشتبكُ الآنَ في لعبةٍ ماكرة
كلُّ شيءٍ هنا صامتٌ
في انتظارِ حدوثِ انقلاب
كلُّ شيءٍ تعيسْ
أتجوّلُ
أشهقُ
في علبةٍ فارغة
***
ما الذي حدثَ الآنَ
كي أستعيدَ مخيّلةً ناقصة
هذهِ الظلماتُ ستشقُّ غياهبَ صحوي
تخنقُ ذاكرتي
ما الذي حدثَ الآنَ
أطردُ أصواتهمْ
بقايا الغبار
الرمادُ يلطّخُ خصرَ الرخام
الرمادُ الذي يدعكُ الأمسَ بالعاصفة
يمرُّ على غبشِ من كلام
الطريقُ طويلٌ وخالٍ
أرى من نوافذِ سيارتي
زورقاً تتقاذفهُ الريحُ
يلطمهُ الموجُ
يلطمهُ مرة ثانيةً
فتحومُ الطيورُ
تهفو على ركبةِ البحرِ
تلتقطُ الحبَّ من شرفةِ البشرِ
الواقفين على الشطِّ
أنظرُ سارحةً
أفكّرُ
كيفَ أهدهدُ هذا الذي يتحوّلُ
في داخلي في ثوانٍ
لوحشٍ بشوشٍ يلاطفني
أركبُ المصعدَ المتقاعس
في هذيانٍ لذيذْ
صورتي تتكاثرُ فوقَ المرايا
أحدّقُ مذهولةً ثمَّ أضحكُ
كالبرقِ يلمعُ وجهي
فأدخلُ في مكتبٍ باردٍ وأنام
***
بجنوني أهمّشُ أعماقهمْ
ثمَّ أحقنُ همي بحزنِ المكان
أجرّبُ نبشَ مقابرَ موشومةٍ
بترابِ الطفولةِ
أبحثُ عنها
أجلسُ فوق قداستها
أطرّزُ يومي بإثمٍ جديد
عند منتصفِ الليلِ وجهي يذوبُ
يسجدُ في غرفةٍ مظلمةٍ
يمارسُ زرعَ الهزائمِ منذُ الولادة ِ
ابحث عني
اقطع أبخرة الصمت
اتبعهم وألامس جلدَ الفراغ
***
جسدي ينكمشُ
الوطاويطُ مرسومةٌ فوقَ حائطِ منزلنا
إنّني أتأملها
وأحدّثُ نفسي لماذا تشاكسني
إذ التقيت بها صدفةً
أعرفُ الآنَ حجمَ ضياعي
نعيقُ الفصولِ يضيءُ
بحيراتِ يقْظتهمْ
كينابيعَ مهجورةٍ منذُ أزمنةٍ
بخناجرهمْ
أطعنُ القمرَ المتحرّرَ من قبضةِ الحلمِ
أدخلُ زخرفةَ البؤسِ
أنقشُ همهمةً ضخمةً وسط قلبي
أنقشُ آثامهمْ في ميادينَ زاخرةٍ بالتصحّرِ
ألصقهمْ بخيالي كنورسه مرهقة
***
الغيومُ الخجولةُ تهمسُ للعتباتِ
براءتها تنزوي خلسةً
والذي يرتمي كالشظايا على معبدي
يذبلُ الآنَ فوق العيون
فأرى كلَّ شيءٍ يموجُ أمامي
ألملمُ ثوبَ الأفق
اليماماتُ تنهضُ من نومها
تنفضُ الريشَ فوق ظلالي
فوق جفافِ الوميض
***
أتهيّأُ للتيهانِ
أقفلُ ذهني
أهذي كجرحٍ عميق
كم حصانٍ جرى مسرعاً من أمامي
كم شاعرٍ نامَ عند المقاهي
وأقلامهُ في كؤوسِ الكلامِ
تخصّبُ دهشتهُ المفزعة
وتقودهُ للتيهِ خلف ركامِ العطش
ثمَّ تأخذني للبلادِ التي كم حلمتُ بها
تسكّعتُ بين فراغاتها
كحشائشَ تنمو بقربِ النخيلِ
فأهجرُ شرنقةَ الغربةِ الأبديّةِ
أكسرُ سجني
وأدخلُ بوّابةَ المدنِ الخالدة
***
الخرائطُ ذابتْ على جمرتي
البلادُ التي تحتويني كآلهةِ العشقِ
تدخلني دفعةً واحدة
كيف لي أن أسابقَ ضوءَ الظهيرةِ
ألقي عصايَ على جثثِ الغجرِ التائهينَ
وأمضي إلى آخرِ العمرِ
حاملةً جثةَ الوطنِ المستبدِّ على راحتي
***
مقعدٌ في الظلام
وردةٌ في الطريق
أتجرّدُ من تله الحزنِ والخوفِ
من سرمديّةِ هذا الحصار
المناراتُ مدسوسةٌ في سلالي
قطٌّ عجوزٌ يحدّقُ بي
ثمَّ يهمدُ مستسلماً لينامَ
فأحملُ رأسي وأخرجُ
كلبٌ صغيرٌ يلاحقني
يهشُّ الذبابَ
أتسكّعُ وحدي
أفرشُ سجّادتي
فوق أرصفةٍ تتقيّأُ ذُعري
لماذا لهيبُ السوادِ
يمرُّ بطيئاً على جسدي ؟
لماذا قوافلهمْ تمتطي حيرتي ؟
***
من وراءِ الضبابِ يحومُ نهارٌ
ووقتٌ طويلٌ يموت
فأعرّي مدائنَ بَوحي
أبرقُ في سقفِ الوهمِ
أقطفُ جرحي
أرميهِ في عتمةِ
تتسكّعُ حول معابدَ جاهزةٍ للرحيل
أقايضُ شبّاكَ هذا النباحِ المسائي
أحرسُ أسلحةَ الهمِّ
المعلّقِ بين أصابعَ طائشةٍ
أتسوّلُ باحثةً عن قناعٍ
أعلّقهُ الآنَ فوق البراكينِ
كي أجهضَ الشجرَ المتراكمَ
فوقي وأرمقُ مرآةَ ذاتي
أتابعُ رسمَ النقوشِ
أرسخُ في قاعِ تجربتي
أشنقُ الدروبَ والرؤيةَ العائمة
***
إنّني أتبخّرُ كالوهجِ
مغرمةً بسرابي ونزفي
بأطيافِ أسطورتي
حين تولدُ في رئةٍ متحجّرةٍ
تحطُّ مراوِحَها فوق غمغمةٍ اليقظة
ليسَ لي إلا أن أرتديها
أسكنها
ليسَ لي غير
أن أكنسَ اللحظةَ الصاخبة
أدوسَ على قطراتِ الندى والهروب
ثم أمضيَ إلى حيثُ ترسو المراكبُ
أدفعُ قطعانَ قهري
ولا أسألُ الليلَ كيفَ لأجزائهِ المتساقطةِ
الآنَ فوقَ صفاءِ المحيطاتِ
أن تتدفّقَ في خطواتي وتدهشني
***
الصباحاتُ تملؤنا بالوجع
الصباحاتُ تلكَ التي نادراً ما تبوحُ
لنا بالذي سوفَ يحدثُ
لكنّنا نتساءلُ دوما
حينَ نخمّنُ بعضَ الحقيقةِ
نصحو
نجترُّ أيّامنا ذَاتَها
الصباحاتُ تصدمنا
نغيبُ ونتركُ أرواحنا
تتراقصُ حالمةً في الفضاء
***
كيفَ تخرجُ منّا الشياطينُ
كيف لنا أن نغنّي
نصرخَ بالحبِّ
جبهتنا تتحدّى حشودَ الخرافةِ
كيف لنا أن نسدَّ نوافذنا الخيالُ
جوادٌ يسابقُ أشلاءنا
نتناثرُ فوق المرايا
نسقطُ في حفرةٍ ضيّقةٍ
نتبادلُ أدوارنا
نواصل رحلتنا
سوفِ
نعزفُ للفجرِ معزوفةً واعدة
نكحّلُ جفنَ الليالي
نتدثّرُ بالريحِ مثلَ العصافيرِ
أو نتقمّصُ جذعَ الزمن
يصبحُ العالمُ المتقوقعُ
في تربةِ القلبِ كالرمحِ
يغسلُ شرياننا بالألم
© 2024 - موقع الشعر