كتف السماء - أحمد بشير العيلة

كتف السماء
أحمد بشير العيلة، فلسطين
 
تلك السماء تساقطت قطعاً من الخزف الخفيف
وتناثرت في اللحم تنهشنا
وأنا نبيٌّ يستغيث
ظلموه أهل البيتِ فامتهن الدعاء
أتتْ إليهِ الطائراتُ
تصدّعت تلك السماء
يا دعوةَ المظلومِ مرّي
ابتني عُشاً على عرشٍ تمايل من بكائي
حين ضاعت طفلةٌ في القصفِ أشلاءً على روحي
فسألتُ زنبقةً ترافق روحها
هل من جديدٍ في وصول دعائنا؟
أرسلي عبر الهواتف
هل من جديدٍ في الحشودِ على ضفاف العرشِ
قولي ما اسم الملائكة التي ستجيؤنا
كم مرةً ستحيط بالجثامين التي ارتفعت مآذن
يا سيد السموات
تركنا كلّ هذي الأرض خلف جناحنا
خلف المداركِ والمشاهد والتطلّعِ والرجاء
تركناها تدور ولسنا ندري
هل ستوقفها القذائفُ بعدنا
تركناها بلا جسدٍ لتأخذنا خفافاً للأعالي
خذنا إذن لمصيرنا الأبدي
خذنا ودعْ أحلامنا تحت الركام
خذنا وعلّق ما كتبنا من قصائد في الحَمام
خذنا فرادى أو زرافاتٍ تلملم روحها
من خلف أعمدة الدخان
خذنا
ألسنا العارفين بكلِ دربٍ في السماء
ألسنا صانعي كتبٍ بأحوال الرجاء
ألسنا ناحتي هذا السحابِ بقوةٍ في القلب
وإزميل الدعاء
خذنا
نحن أدرى بالخرائط في الغياب
أدرى بالخطاب إذا تغلّقتِ المنافذ
أدرى بالتحاور مع صفوف الطير
حين تمرّ من روحٍ إلى روحٍ جديدة
خذنا ولا تعطِ الإجازة للملائكةِ التي وقفت تعدّ صعودنا
كم من شهيدٍ عطّروه ليبعثوه إلى سيادتكَ العظيمةِ بالرسائل أنْ أغثْنا
كم من صغارٍ حاولوا أن يصعدوا طبقاتِ زرقتكَ المضاءةَ بالبكاء
صعدوا دموعاً أو شموعاً أو رجاء
صعدوا ليبتسموا هناك
فهنا على الأرض انتهت بسماتهم
هم في الهنالك توصياتٌ من ورود
خذنا إليهم
واصطفينا كي نحاور كائناتٍ ترتوي من رحمتك
اصطفينا
قد مللنا الانتظارَ أمام حاجزكَ الرهيب
خذنا
تركنا كلَّ هذا القصفِ للأخبارِ تنقلهُ
فخذنا
الآن .. ترفعنا ملائكةٌ شِدادٌ
للصمود على ثغورٍ في النهاياتِ العظيمة
لسنا ندري
هل في الهنالكَ طائراتٌ تشتهي دمَنا
هل في الهنالك قاذفاتٌ تأكلُ الأرواح والدعوات
هل في الهنالكَ أخوةٌ يتسابقون على حصارٍ حين نرقى كالزنابق
ها نحنُ نعبرُ من ثقوبٍ في السماء
يا سيدَ الأكوانِ قل لي
هل سوف تتركنا شهوراً أو سنيناً قرب معبرك السماوي البعيد
وأنا الوحيدُ .. أنا الوحيدُ أنا الوحيد
خذنا كما يحلو إليك
شهداءَ أو بلغاءَ أو شعراءَ أو جهلاء
خذنا ضباباً للطريق
خذنا مصابيحَ استحت من ضوئها لما أضاؤوا
خذنا احتمالاً للرجوع
واكتمالاً للخرائط
خذنا خرائطَ للنجوم
خذنا نجوماً أو غيوماً
أو رجوماً للشياطين التي أقسمتَ أن تُلقي بها من فوق
خذنا كما تهوَى إلهي
خذنا .. فلا أرضٌ تطيق جسومَنا
يا كلَّ شبرٍ قال لي .. أرهقتني
كُنْ مخبِراً للطائرات
إني هنا يا ربُّ أدفع كلَّ عمري قُبلةً للموت
إني هنا
أبني عيالي فوق جرحي من سنين
أسأله ليأخذني من دون إزعاجٍ لأولادي
أرْشيهِ بالأحلام
تلك التي نبتتْ كشتلاتٍ على بابِ الدعاء
فهو الدليل على طريقٍ غامضٍ
يصلُ الحقيقةَ بالحقيقةِ
فالموتُ جسرٌ في الفراغِ ، من الفراغِ إلى الفراغ
والموتُ خمرُ الفلسفات
نحوُ اللغاتِ إذا تصارعتِ اللغات
وأنا فراغٌ حين أبكي
فراغٌ حين أشكو
أو فراغٌ حين أكبو
يا سيدَ الأكوانِ خذنا مرةً متأنقين
دعْ فرصةً لجسومنا أن ترتدي بزاتها
أوقِفْ قليلاً كلَّ هذا القصف كي ننجو
إلى موتٍ يليق بكرنفالٍ مثل روحي
إلى موتٍ يعانقنا بلا أشلاء
أوقف قليلاً كلَّ هذا القصف
كي نعلو على كتفِ السماء
 
أحمد بشير العيلة
 
2008
© 2024 - موقع الشعر