ملحمة السراب - ابراهيم ناجي

-1-
السراب في الصحراء

السراب الخؤون والصحراء
والحيارى المشردون الظماء

وليال في إثرهن ليال
سنة أقفرت وأخرى خلاء

قل زادي بها وشح الماء
وتولى الرفاق والخلصاء

كيف للنازح الحبيب ارتحالي
وجناحاي السقم والبرحاء

وجراحي المستنزفات الدوامي
وخطاي المقيدات البطاء

ادركي زورقي فقد عبث اليم
به والعواصف الهوجاءُ

والعباب العريض والأفق المو
حش واللانهاية الخرساء

أفق لا يحد للعين قد ضاق
فأمسى والسجن هذا الفضاءُ

سهرت ترقب الصباح وعين ال
نجم كلت وما بها إغفاء

عجبي من ترقبي ما الذي أرجو
ولما يعدْ لقلبي رجاء

وأنا مرهف المسامع فيه
لي إلى كل طارق إصغاء...

التقينا كما التقى بعد تطوافٍ
على القفر في السرى انضاءُ

قطعوا شوطهم على الدم والشو
ك وراحوا على اللهيب وجاؤوا

في ذراعي أو ذراعيك أمن
وسلامٌ ورحمةٌ ونجاءُ

وعلى صدرك المعذب أو صد
ري حصن وعصمة واحتماء

كم أناديك في التنائي فترتد
بلا مغنم ليَ الا صداء

كم أناديك في التنائي فترت
د بلا مغنم لي إلا صداء

وأناديك في دمائي فتنسا
ب على حسرة لدي الدماء

وأناديك في التداني وما أطمع
إلا أن يستجاب النداءُ

باسمك العذب إنه أجمل الأس
ماء مهما تعددت أسماء

لفظة لاتبين تنطلق الأقدارُ
عن قوسها ويرمي القضاءُ

وهي بين الشفاه ناي وتغري
د وطير وروضة غناء

وهي في الطرس قصةٌ تذكر الأحبابُ
فيها وتحشد الأنباءُ

صدفة ثم وقفة فاتفاق
فاشتياق فموعد فلقاء

فقليلٌ من السعادةِ لا يكمل
فيه ولا يطولُ الهناءُ

فحنين فلوعة فاحتراق
فجحيم وقوده الشهداء

ما بقائي وأجمل العمر ولّى
وانتظاري حتى يحين الشتاءُ

يطلع الفجر مرهقا شاحب النو
ر عليه الكلال والإعياء

وبنفسي دب المساءُ وحل الليل
من قبل أن يحين المساءُ

زرتني كالربيع في موكب الزه
ر له روعة وفيه رواء

ولك الوجه أومض الحسنُ فيه
والتقى السحرُ عنده والذكاءُ

وشوحب كظل خمر وللند
مان تجلو شحوبها الصهباء

ولك الجيد أتلعا أودع الصانعِ
فيه من قدرة ما يشاءُ

قد من مرمر وشعشعه الفج
ر بورد وصب فيه الضياء

وأنا الطائر الذي تصطبي نفسي
السماوات والذرى الشماءُ

راشني صائد رماني فأدما
ني وولى الجاني وعاش الداء

مرحباً بالهوى الكبير، فإن يبقَ
وإن تسلمي يطبْ لي البقاءُ

فهو القمة التي تهزم المو
ت ولا يرتقي إليها الفناء

مرّ يومي كأمسِه مسرحاً تعرض
فيه الحياةُ والأحياءُ

آدم كالقديم قلبا وتفكي
رًا ولكن تبدل الأزياء

لم يحلْ طبعه ولا ذات يوم
لبست غير نفسها حواءُ

والنضار المعبود قدس وقربا
ن ورب والشهرة الجوفاء

والحطامُ الفاني عليه اقتتالٌ
والأماني بريقُها إغراءُ

وسفين تمر أثر سفين
والرياح اللذات والأهواء

والغيوبُ المحجباتُ رحابٌ
تعبت في رموزها الحكماءُ

عندها المرفأ المؤمل والشط
المرجى والصخرة الصماء ..

مرّ يومي كأمسه وأتى ليلٌ
بهيج تزف فيه السماءُ

قد جلت فيه عرسها، كل نجم
قدح يستحم فيه الضياء

لم تزل تسكب السلاف وللأق
داحِ فيها تجددٌ وامتلاءُ

لم تزل .. حتى هوم الحان نعسا
ن وأغفى البساط والندماء

غير نجم في جانب الليل يقظان،
له روعة بها وجلاءُ

ذاك نجم الحبيب مني له الشو
ق ومنه الوميض والإيماء

كم أغنِّيهِ بالحنين كما غنت
على فرعِ غصنها الورقاءُ

وذراعي في انتظار، وصدري
فيه بالضيف فرحة واحتفاء

موقداً للغريب نار ضلوعي
فعسى للغريب فيها اهتداءُ...

لم خليتني وباعدت مسرا
ك ومالي إلى ذراك ارتقاء

بالذي فيك من سنا لا تدعني
فيم هذا المطال والإبطاءُ

ما تراني وقد ذهبت يحظي
اخطأتني من بعدك النعماء

وانتهى بعدك الجميلُ فلا فضلٌ
لمسدٍّ ولا يدٌ بيضاءُ

ومشى الحسن في ركابك والإح
سان طرًا والغرة السمحاء

حسنات كانت يد الدهر عندي
فانطوت بانطوائك الآلاءُ

-2-
السراب على البحر

لا القوم راحوا بأخبارٍ ولا جاؤوا
ولا لقلبك عن ليلاك أنباءُ،

جفا الربيعُ ليالينا وغادرها
وأقفر الروضُ لا ظل ولا ماءُ

يا شافي الداء قد أودى بي الداءُ
أما لذا الظمأ القتال إرواءُ

ولا لطائر قلبٍ أن يقر ولا
لمركب فزع في الشط إرساءُ!

عندي سماء شتاءٍ غير ممطرةٍ
سوداء في جنبات النفسِ جرداءُ

خرساء آونة هوجاء آونة
وليس تخدع ظني وهي خرساءُ

وكيف تخدعني البيداءُ غافية
وللسوافي على البيداء إغفاء

أأنتِ ناديتِ أم صوتٌ يخيل لي
فلي إليكِ بإذن الوهم إصغاءُ

لبيكِ لو عند روحي ما تطير به
وكيف ينهضُ بالمجروحِ إعياءُ

تفرق الناس حول الشط واجتمعوا
لهم به صخبٌ عالٍ وضوضاءُ

وآخرون كسالى في أماكنِهم
كأنهمْ في رمال الشط أنضاءُ

هم الورى قبل إفسادِ الزمان لهم
وقبل أن تتحدّى الحبَّ بغضاءُ

ضاقت نفوسٌ باحقادٍ ولو سلمت
فإنها كسماء البحر روحاءُ...

تألقتْ شمسُ ذاك اليوم واضطرمت
كأنها شعلٌ في الأفْقِ حمراءُ

طابت من الظل، ظل القلب ناحيةٌ
لنا، وقد صَلِيَتْ بالحرِّ أنحاءُ

ما لي بهم، أنت لي الدنيا بأجمعها
وما وعت ولقلبي منك إغناءُ

لو أنه أبدٌ ما زاد عن سنةٍ
ومدةُ الحلم بالجفنين إغفاءُ

أرنو إليك وبي خوفٌ يساورني
وانثني ولطرفي عنك إغفاءُ

إذا نطقت فما بالقول منتفعٌ
وان سكت فإن الصمتَ افشاءُ

وأيما لفظة فالريحُ ناقلةٌ
والشطُّ حاكٍ لها والأفقُ أصداءُ

يا ليل من علم الأطيارَ قصتنا
وكيف تدري الصبا أنا أحِباءُ

لما أفقنا رأينا الشمسَ مائلةً
إلى المغيب وما للبين إرجاءُ

شابت ذوائبُ، وانحلت غدائَرُها
شهباء في ساعة التوديع صفراءُ

مشى لها شفقٌ دامٍ فخضبها
كأنه في ذيولِ الشعرِ جِناءُ

يا من تنفس حر الوجد في عنقي
كما تنفس في الأقداح صهباءُ

ومن تنفست حر الوجد في فمه
فما ارتويت وهذا الري إظماءُ

ما أنت عن خاطري بالبعد مبتعد
ولن تواريك عن عينيّ ظلماءُ..

-3-
السراب في السجن

يا سجين الحياة أين الفرارُ
أوصد الليلُ بابه والنهارُ

فلمنْ لفتةٌ وفيم ارتقابٌ
ليس بعد الذي انتظرت انتظارُ

والتعلات من هوى وشباب
قصة مسدلٌ عليها الستارُ

ما الذي يبتغي العليلُ المسجَّى
قد تولى العوادُ والسمارُ

طال ليلُ الغريب وامتنع الغمض
وفي المضجع الغضا والنارُ

وهَب السجنُ بابه صار حرا
لكَ لا حائل ولا أسوارُ

وعفا القيدُ عنك كفاً وساقاً
فإذا الأرض كلها لك دارُ

أين أين الرحيل والتسيار
بعدت شقة وشط مزار

والخطى المثقلاتُ باليأس أغلالٌ
لساقيك والمشيبُ عثارُ

ما انتفاع الفتى إذا عفت الجنة
واجتاح دوحَها الأعصارُ

عشتُ حتى أرى خمائلَ حبي
تتهاوي كشامخ ينهارُ

تحت عيني ويذبل الحسنُ فيها
ويموتُ الربيعُ والأنوارُ

ما انتفاع الفتى بموحش عيشٍ
بقيَتْ كأسُه وطاح العقارُ

وبقاء البساط بعد الندامي
كأس سم بها يدور البوارُ

ما انتفاعي وتلك قافلة العيش
وفي ركبها اللظى والدمارُ

الدمار الرهيب والعدم الشامل
واللفحُ والضنى والأوارُ

يا ديار الحبيب هل كان حلما
ملتقى دون موعد يا ديارُ؟

يا عزيز الجنى عليك سلام
كيف جادت بقربك الأقدار

بورك الكرم والقطوف واوقات
كأن العناقَ فيها اعتصارُ

كلما أطلقتك كفي استردتك
كما يحفز الغريم الثارُ

© 2024 - موقع الشعر