أنا هنا لأدفع - أحمد علي سليمان

شَكَرتُ صنيعكِ يا مُسْلمة
فأمسى القصيدُ له ترجمة

وأكبرتُ فِعلكِ مُستلهِماً
دروساً بفرط السَّخا مُفعمة

يَميناً بما جئتِ جُزتِ المَدى
وكنتِ ببذل العطا مُغرمة

وأطرى المحاسبُ مُستعذِباً
أمانة مَحشومةٍ مُكْرَمة

وأعطاكِ سِلعته غافلاً
بفاتورةٍ ما احتوتْ درهمه

فعُدتِ لكي تُبْرئي ذِمة
على منهج العَفة المُسْلمة

فظنوكِ لم تقبلي نوعَها
فجاءتْ إجابتكِ المُفحِمة

أنا جئتُ أدفعُ دَيناً لكم
بتسديده إنني مُلزمة

فجاؤوا تِباعاً ، وكالوا الثنا
وشُكرُ الأمينة كان السِّمة

وأمسى صَنيعُكِ أعجوبة
وليست رسالته مُبهمة

أتيتِ إلى (المُول) مُختارَة
فما كنتِ مُكْرَهة مُرغمة

تخافين سُؤلَ مليك الورى
وتتلين آياته المُحْكمة

ودربُكِ يُقلي دُجاه التقى
وشتان بين التقى والعَمه

نأيتِ بنفسكِ عن ظلمها
وأدَّيتِ في ذي الدُّنا المَظلمة

وأسدَيتِ دعوة أهل الشقا
ومَن دِينُهم ظلمة العَوْلمة

وأدَّيتِ دَيْنكِ ، لم تقبلي
حراماً ، وذي خصلة قيِّمة

تقبَّلَ سَعيَكِ ربُّ السما
وأسبغ يا أختنا أنعُمَه!

مناسبة القصيدة

(يحكي الإعلامي الكبير الأستاذ جمال ريان قصة عنوانها: "الأمانة" التي أدهشت الجميع ، وغيّرت نظرة متجرٍ كامل للإسلام! والحقيقة أن بعض القصص لا تحتاج إلى خطبٍ طويلة لكي تعرض على الناس! بل تكفيها لحظة صدقٍ واحدة ، لتفتح بابًا من النور في قلوبٍ لم تكن تتوقع لها الهداية. فالأستاذ جمال ريان يحكي عن موقفٍ رآه بعينه وعاشه بنفسه ، خلال زيارة له للولايات المتحدة. هو في الحقيقة موقفٌ بسيط في ظاهره ، لكنه عظيم في معناه! وكان قد أعطاها عنواناً هو: "أنا هنا لأدفع"! ذلك العنوان الذي طاب لي أن أقتبسه منه ليكون عنوان لقصيدتي كما كان عنواناً لقصته! يقول ريان: إنه كان في أحد المتاجر الكبيرة ينتظر دوره للدفع ، فدخلتْ سيدة مسلمة ترتدي حجابًا محتشمًا ، تبدو عليها علامات التعب وهي تجر صندوقًا ثقيلًا ، كأنه لماكينة قصِّ العُشب ، ومعها زوجها يساعدها في ذلك! توجهت السيدة إلى موظفة الحسابات ، ودار بينهما هذا الحوار! قالت السيدة (بأدب): اشتريتُ هذه الماكينة بالأمس مع مشترياتٍ أخرى! فردت عليها الموظفة (بلا تركيز): وتريدين إرجاعها؟ فقالت السيدة: لا! بل أريد أن أدفع ثمنها! وهنا توقفت الموظفة لحظة ، وقالت بدهشة: كيف؟ ألم تقولي إنك اشتريتها بالأمس؟ هل وجدتها أرخص في متجر آخر؟ عندنا سياسة رَدِّ فرق السعر! فقالت السيدة بهدوءٍ عجيب: لا هذا ولا ذاك ، لقد اشتريتُها بالأمس ببطاقةٍ بنكية ، وعندما عُدت للمنزل وراجعت الفاتورة ، اكتشفت أنك لم تحسبي ثمن الماكينة ضمن الحساب ، وحاولت الاتصال بالمتجر حتى لا تتعرضي للمساءلة بسبب الخطأ ، لكن ساعات العمل كانت قد انتهت ، فقررت اليوم أن آخذ إجازة من عملي ، وأحملها إليكم حتى تُسجّلوها وأدفع ثمنها فلا يتضرر أحد بسببي ، ولا أستخدم شيئًا لم أدفع قيمته! فقالت الموظفة: لكن لماذا فعلتِ كل هذا وهو شديد عليك؟! وهنا تجمّدت الموظفة من الذهول ، واغرورقت عيناها بالدموع ، ثم احتضنت السيدة وقالت: هذا خطئي أنا ، لماذا تتكبدين عناء حمل هذا الصندوق ، وإجازة من عملك ، وقيادة طويلة ذهابًا وإيابًا؟! فأجابت السيدة ببساطةٍ شديدة وببراءةٍ صادقة: إنها الأمانة ، ثم بدأت تشرح معنى الأمانة في الإسلام ، وكيف أن المؤمن لا يطيب له أن ينتفع بشيءٍ لم يدفع ثمنه ، حتى لو كان الخطأ من الطرف الآخر المتجر كله وقف ليسمع! ذهبت الموظفة بسرعة إلى مديرتها ، وكانت واضحة عليها الصدمة والتأثر! وبعد دقائق جمعت المديرة العاملين صفًّا واحدًا ، وبدأت تحكي لهم ما حدث والسيدة المسلمة واقفة في حياءٍ شديد ، كأنها لم تفعل شيئًا إلا واجبًا تعلمته من دينها ثم بدأ العاملون والزبائن يسألونها باهتمامٍ حقيقي عن الإسلام وتعاليمه وهي ترد بثقةٍ هادئة وتواضعٍ جميل وإخلاصٍ لا يتصنع! وقالت المديرة: خذِيها إذن هدية! لكنها رفضت! فأصرت إدارة المتجر أن تُهدي السيدة الماكينة تقديرًا لموقفها ، لكن السيدة اعتذرت بأدب ، وقالت: أنا لا أريد شيئًا ، أنا أطلب الأجر من الله ولا أريد أن يفسد شيءٌ ثواب الأمانة! فزاد ذلك إعجاب الناس بها أكثر! ثم رحلت السيدة في هدوءٍ ، وبقي أثرُها في المكان طويلًا ليس في قلوب العاملين فقط ، بل في قلوب الزبائن الذين شاهدوا المشهد كله في انبهار جم عجيب! لقد أدتْ أمانتها مرتين: الأولـى في رَدِّ ماكينةٍ لم تدفع ثمنها ، والثانيـة كانت أمانـة الدعوة إلى الله!)
© 2026 - موقع الشعر