إسماعيل رسلان البطل - أحمد علي سليمان

تحيا البُطولة في أبهى معانيها
لمَّا سَبَتْ بالتثني عينَ رائيها

وللمُروءة أقوامٌ تتيهُ بهم
بين الأنام بأمداح تُغنيها

مازال أهلُ الفِدا في أوج عِزتهم
أما النذالة مَن جَهلاً يُحَييها

وقصة الشهم (إسماعيلَ) تلفِتُنا
إلى الشهامة شِعري العَّف يُطريها

هالتْهُ مَركبة رُكابُها غرقوا
وأوشك الموتُ يَجني كلَّ مَن فيها

وداهمَ الموتُ (إسماعيلَ) عن رغب
في مشهدٍ نحِس يحتاجُ تنويها

ما همَّهُ الثوبُ والأغراضُ يحملها
ولا النقودُ التي تسبي المعاتيها

وصارعَ الموجَ تُهديه الرياحُ قوىً
حتى تُوَجِّهه للبُعد توجيها

والطالباتُ رأيْن الموت مُغتبِطاً
يدنو لمَركبةٍ غابت نواصِيها

يَصرخن ، والماءُ لم يُنصتْ لواحدةٍ
حتى يُخففَ مِن بَلوى تُقاسيها

وأنقذ الشهمُ (إسماعيلُ) كوكبة
من البنات مُقيماً أمرَ باريها

إذ قتلُ نفس كقتل الناس أجمعِهم
في آيةٍ نصُّ وحي الله يحكيها

ونقذ نفس كنقذ الناس أجمعهم
في آيةٍ لحقتْ تسمو بتاليها

وساعدَ القومُ (إسماعيلَ) تحسبُهم
خليَّة النحل جَدَّتْ في مَساعيها

والقرية انتفضتْ تطري هنا بطلاً
في قصةٍ جيلنا للناس يَرويها

وقال كلٌّ سنهديه مكافأة
على المروءة أعيَتْ مَن يُكافيها

فقال: كلا ، أنا أنقذتُ مُبتغياً
وجهَ المليك ، وللحُسْنى جَوازيها

لا يذهبُ العُرفُ عند الله خالقنا
إني أنزه أجرَ الله تنزيها

خلوا سبيلي ، فلي رَبٌّ سيُكرمني
والنفسُ تشكرُ ربَّاً سوف يَجزيها!

مناسبة القصيدة

(إسماعيل رسلان البطل ، هكذا حصلت على اسمه ، فهل يا ترى (البطل) هو اسم جده أم أنه لقب أعطاه إياه المحرر؟! وأنا هنا من باب أمانة النقل أورده كما ورد في ثنايا القصة التي هذا عنوانها! كان إسماعيل راكباً في سيارة ميكروباص وفي طريقه إلى بيته. فإذا به يجد تجمعاً كبيراً من الأهالي أمام مجرى مائي فرعي (ترعة محاذية للطريق الأسفلتي) ، فطلب من السائق أن يتوقف حتى يشوف ماذا في الأمر! ولما نزل وجد الميكروباص واقعاً في الترعة آنفة الذكر ، وفيه 15 طفلاً وطفلة ، كانوا ذاهبين إلى الحضانة! والناس جميعاً قد واقفوا بين مولول ومتصل وباك وشاكً! والأمر يكاد يكون في أوله! والترعة ليست بالعمق الذي يبتلع الميكروباص! ولكن إن تم استتيعاب الماء له بحيث تكون عجلاته قد رست على القاع إذن يموت الأطفال غرقاً! أما السائق ففتح بابه وخرج وانشغل بجراحه وهمومه وحسرته! ولم يعد قادراً حتى على استيعاب الموقف! وأما القوم الآخرون فاكتفوا بالفرجة والولولة والصياح والبكاء والاتصالات! حالة غريبة من اللامبالاة من الناس ، والميكروباص لا يزال في بداية امتلائه بالماء ، والأطفال يصرخون ويبكون. أما بطل قصيدتنا إسماعيل فمن غير تفكير كان قد قفز في الترعة بملابسة المبخرة المعطرة ، والموبايل الجديد فى جيبه وفلوسه في الجيب الآخر ومعها هويته! لم يشغله شيء من ذلك كله! بل كل تفكيره فقط انصب في في كلماتٍ ثلاث: (كيف ينقذ الأطفال)؟ وبالفعل استطاع أن يمن الله عليه ، فيفتح الباب بكل ما أوتي من قوة! وابتدأ في عملية إنقاذ الأطفال في مشهد يبكي ويضحك في آن واحد! (والله إنني أكاد لا أستطيع وصفه كتابة ، وقد خنقتني العَبرة واغرورقت عيناي بالدموع)! والناس يشجعونه بالعبارات الجميلة العذبة! وراحوا يأخذون منه كل طفل استطاع أن ينقذه! نعم كانوا يتناولون منه الطفل بعد الطفل بعد الطفلة في مشهد ملؤه السباق مع الزمن والماء والموت! وكأنه الصراع بين فريقين فريق ضعيف إلا من قوة الله ، وآخر قوي بطبيعته! وتم إنقاذ 14 طفلاً بفضل الله ورحمته. والميكروباص أصبح خالياً تماماً من ركابه الغرقى الأحياء! وإذا بإسماعيل يُفاجأ بطفلة صغيرة تصرخ وتقول:- صديقتي لم يتم إنقاذها بعد ، بالله عليك انقذها يا عمو! فنزل إسماعيل للمرة الثانية! وظل يبحث في الميكروباص الغارق وقد تمكن الماء من منتصفه! فوجده فارغاً تماماً! وتطوع شخصان أتيا متأخرَين ونزلا معه واستطاعا أن يحركا الميكروباص ، ووجدا الطفلة تحته قد فارقت الحياة! فبكى إسماعيل وانتحب وشالها بين ذراعيه ، وهو يقول: ليتني استطعت إنقاذها! وكان أن حضر عزاءها. أما الناس فعرضوا عليه (موبايلاً) جديد من أغلى الأنواع ، يكون بديلاً لموبايله الذي هلك ، ولكنه رفض. والأهالى شكروه لإنقاذ عيالهم فقال لهم: ربنا جعلني سبباً ليس إلا! إسماعيل رسلان البطل هو بطل حقيقي! واسم على مسمى! إنسان يستحق كل الإشادة! كان باستطاعته أن يقف ليصور أو يبكي أو يتصل أو يولول كغيره. كان باستطاعته أن يقف ليتفرج ويقول: يا قوم ، لست أحسن أن أعوم! ولكنه خاطر بحياته من أجل إنقاذ أطفال صغار ، لا حول لهم ولا قوة إلا بالله الذي خلقهم! من أجل هذه المروءة الإسماعيلية ، كانت هذه القصيدة!)
© 2026 - موقع الشعر