ابتغاء مرضاة الله - أحمد علي سليمان

طالَ ليلِي عندما عِفتُ الكرى
ودموعُ العين سالتْ أبحُرا

وانكسارُ النفس يُؤذي مُحبَطا
بلظى التعيير عادَ القهقرى

هل يُعابُ المرءُ في إحسانه؟
هل غدا معروفُ عبدٍ منكرا؟

هل صُوى الحق كسُوآى باطل؟
هل تساوى صِدقُ قول بالهُرا؟

قلِبَ الميزانُ والفوضى اسْتمتْ
واليقينُ المَحضُ أرداه المِرا

ضِقتُ ذرعاً قيلَ لي: اصبرْ واحتسبْ
عند صُبح يَحمَدُ القومُ السُّرى

زادتِ الأعباءُ والنفسُ اشتكتْ
حالة تُخزي ، ووَضعاً أغبرا

ومصابُ المرء في زوج بَلا
وعذابٌ فيه يَجترُّ الثرى

عندما بالأهل تستقوي تهنْ
ثم تلقَ الضنكَ في نقض العُرى

لم تكنْ تملِكُ وَعياً ناضجاً
ليتها في الغِيد شَبَّتْ مُعْصِرا

ظنتِ الأهلين سِترا وغطا
وبهم تعلو إلى أوج الذرى

أحسنتْ ظناً بهم فيما ارتأتْ
مِن عيون دمعُها - زوراً - جرى

أسْلمتْهم أمرَها لمَّا ارعوَتْ
ظنتِ الأوغادَ آسادَ الشرى

فانبرى كلٌ ، وأدلى دَلوَهُ
بالتجني ، ثم ترويج الفِرى

وإذا الهيجاءُ شَبَّتْ نارُها
يابساً قد أحرقتْ والأخضرا

وارتأى الأهلُ الطلاقَ غنية
واسْتمرَّ الحالُ يُبكي أشهرا

أسرة تُصلى بنار أضرمَتْ
أمْرُ شَجواها بليل دُبِّرا

وأذلَّ الزوجَ أصحابُ الهوى
بعد أن ضاقتْ على الشهم القرى

كيف يَجتاز الرَّزايا أشهرتْ
والرَّدى أمسى حُساماً مُشْهَرا؟

والخياراتُ عذابٌ مُحْدِقٌ
ومصيرُ البيت أضحى أغبرا

تعسَ الأصهارُ ساقوا غدرَهم
لم يَرَوا للحَلِّ جهداً مثمرا

إنما هم حَكَّموا أهواءهم
وغدا التوفيقُ إفكاً مُفترى

ثم قالوها بلا أدنى حيا
وقبيحُ القول قطعاً يُزدرى

نحن بيَّتْنا طلاقاً عاجلاً
وكبيرُ القوم عنهُ شَمَّرا

جاهزون اليوم ننجي بنتنا
مِن شَقاءٍ يَحرمُ العينَ الكَرى

فإذا بالزوج يُخزي سعيَهم
مستشيراً عبقرياً خيِّرا

نصِحَ المسكينَ نصحاً نافعاً
واعظاً إياه وعظاً مُبهرا

قال: أمسكْ زوجة واظفرْ بها
أنقذِ الأولادَ ، كنْ مستبصرا

صَيَّروها في التلاحي جَمَلاً
واستثاروه على أن يهدرا

فلتكنْ في ذا التحدِّي ناقة
والعَق الصبرَ ، وخذهُ معبرا

واعذر الوَجْعى ، وذرْ تسريحَها
ذلك النصحُ بمال يُشترى

خَبَّبوها ، فاستساغتْ زورَهم
لم تعُد بالعين تخبيباً ترى

واتق اللهَ وأحسنْ واحتسبْ
ثم حَكّم بعدُ عقلاً نيِّرا

عِيشة الفوضى أخفُّ وَطأة
مِن طلاق فاحترس أن تُقهرا

ولعين ألفُ عين فلتُصَنْ
فاعصم الأولادَ مِن ذلِّ العَرا

ذات يوم يُدركُ الأولادُ ما
تفعلُ اليومَ ، فحاذر الامترا

فاستجابَ الزوجُ لكن ساوموا
ثم جاؤوا يحملون المِجمَرا

يحرقُ الزوجَ لظى جمْراته
ولها الجوُّ بعُودٍ بُخرا

قبَّلَ الرِّجلَ ليُوهيْ كيدَهم
حاملاً للزوجة العَصما القِرى

فاستقام العيشُ ، وانجابَ الأذى
حصحصَ الحقُّ ، فجَلّى المنكرا

زالتِ الغمَّة ، والكربُ انقضى
عندما أجلى الحليلُ البربرا

قدَّم الأفذاذ يرجون الإخا
ولمَن راموا التجافي أخرا

وسِنيُّ العُمر مَرَّتْ تحتفي
بالذي صان التعافيْ مظهرا

واستغلتْ حِلمَه تلميذة
وارتأتْهُ الزوجَ مِن بين الورى

مَهَّدتْ للأمر تمهيدَ التي
جَمَّلتْ بيتاً ، فأضحى منبرا

في جواه استقبلتْ محبوبها
حبها أن كان شخصاً مُوسِرا

إن أحبَّتْ فأحبَّتْ ماله
ثم ولى عن أذاها مدبرا

لم تكنْ (جولييتُ) تغري عاشقاً
كشفَ الدُّهقانُ سِحراً مؤثرا

عائداً للزوجة الأولى التي
حبُّها في القلب فاقَ الجوهرا

قبلَ الرِّجلَ مُعِيداً حقها
لم تكنْ تدري وإنْ إبنٌ درى

جَلدَ الذات التي لم تحترمْ
شيبة غالت وقاراً مُزهرا

فإذا بالزوجة الأولى تني
وتعيبُ الزوجَ للعُذر انبرى

ورَحى التعيير دارتْ تجتني
كبرياءَ الزوج يُطري ما جرى

قبلتاهُ في رضا ربِّ الورى
إذ يراه مستعاناً أكبرا

منهُ لا تستسخري أو تسخري
إن ربَّ الناس أدرى بالورى!

مناسبة القصيدة

(زوجٌ مبتلىً أشدَّ البلاء وأعتاه من ُرزق أصهاراً حَمقى ، يُغلبون مصلحة ابنتهم بالباطل على حساب زوجها وعيالهما! وبطلُ قصيدتنا زوجٌ من هذا النوع! لقد دفع ثمن سوء اختياره مرات عديدة! حيث قهرَه أصهاره قهراً لولا لطف الله تعالى عليه لأصابته جلطة أو أصابه تصلبُ الشرايين! وما اكتفوا بقهره وإذلاله والسخرية منه ، بل خبَّبوا زوجته (ابنتهم) عليه ، وحملوه على طلاقها! مُصَرِّحين بذلك على قارعة الطريق والناسُ تسمع: (نحن جاهزون للطلاق ، فهل أنت جاهز؟) الأمرُ الذي جعله يحتار ماذا يفعل؟ وزاد حباتِ المِبلة طيناً أو حبات الطين بلة ، أنهم نجحوا نجاحاً باهراً في أن يُقنعوها بأنهم يرون مصلحتها ، ويقفون في صفها ، أمام هذا الزوج الفاشل على حِّد تعبيرهم! ودارت رحى الحرب ، وسعَّرَها الأنساب الأغبياء الأشقياء. واحتار الزوج البائس ما هل عساه يفعل؟ وكيف يرضيها؟ وكيف يقنعهم؟ وكان أصدقاؤه قد نصحوه بأن يستعين بالله تعالى ولا يعجز ، وأن يصبر في الفتنة ويحتسب على الله تعالى كل الذي يلقى فيها! يصنع ذلك كله ليس لزوجته ولا لأهلها ولا حتى لخاصة نفسه! وإنما لأولاده السبعة الضحايا ، الذين إن طلقها وتزوج من أخرى ضاعوا وصاعوا! فليصبر وليحتسب ليفوِّت الفرصة على الأصهار الأوباش الغجر الظلمة الجهلة! فأرضى زوجته بتقبيل قدمها أمامهم للحفاظ على البيت والأولاد! تقبيل القدم الذي هو متوقعٌ من الزوجة لزوجها ، في مثل هذه المواقف للحفاظ على البيت والأولاد! ووضعتِ الحرب أوزارها ، وانقشعت الفتنة ، وأخمدت نار الحرب ، وهدأت الأمور! وخيَّرها الزوج بعد أن عادت إلى صوابها – بين أن تختاره وولده والبيت ، وإما أن تختار أهلها وذويها – قولاً واحداً! فاختارت بيتها وزوجها وأولادهما! فطرد الزوج أهلها طرد (الكلاب) بمقشة (البلح) على حد تعبير من أشاروا إليه بهذا الحل! وعاش مع زوجه وولده سنواتٍ ثلاثٍ هي أحلى سني عيشه معها! ودارت الأيام دورتها ، ولاح له طيف التعدد الذي يراوده منذ سنين! وبناء على طلب امرأة لعوب - أظهرت الود والرحمة والمصلحة ، وأبطنت الانتفاع الخسيس والتلاعب المقيت – وافق على الزواج منها! فلما تبين له تلاعبها وانتفاعها ، عاد إلى رشده وأنهى مشروعه المحكوم عليه بالفشل! وعاد إلى بيته وزوجه منهياً علاقته بشبه الزوجة! وأراد جلد ذاته وتأديبها فقبل قدم أم الأولاد للمرة الثانية معرباً عن خطئه في حقها ، محتسباً ذلك عند الله تعالى! فإذا بها بعد أربعة أشهر تقول له تعييراً وتشفية وسخرية واستهزاء: أنسيت أنك قبلت قدمي؟ تشير بذلك إلى المرتين! وإذ كان ذلك منه أمام أولادهما فقد قطعت عنق زوجها! وما كان منقبة منه يستحق عليها الجزاء والمكافأة ، أصبح مذمة وإهانة ومذلة يستحق التوبيخ واللوم والزجر عليها! فدعا لها بخير ، وانصرف يكظم غيظه ويحمل خزيه على عاتقه ويدفع ثمن سوء اختياره! فكانت هذه القصيدة ترجمة لموقف السخرية والاستهزاء والتعيير هذا! إن قصيدتي: (ابتغاء مرضاة الله) تعالج غباء الأصهار وحمقهم وتهورهم! فنسأل الله – تعالى - أن ينفع بها ولما كتبت له!)
© 2026 - موقع الشعر