رسالة من والد تلميذ - أحمد علي سليمان

وصَلتْ رسالة جَهبذٍ مَكلومِ
صافي السريرة طيِّب مظلوم

وأقمت حُجَّة باذل مَجهودُهُ
وقد استحقَّ مَراسمَ التكريم

أعطيت حتى قِيلَ: أصدقُ مَن حَبا
وأجَلُّ مِعطاءٍ ، وخيرُ كريم

وبذلت خيرَك مُحسِناً مُتفضِّلاً
ترجو ثوابَ الله غيرَ مَلوم

مُتحمِّلاً ثِقلَ الأمانة قانعاً
بالرَّاتب المُتقلص المهضوم

لم تشكُ ما تلقاهُ مِن مُرِّ البلا
في عِيشةٍ مُلئتْ بشَرِّ غموم

وأتيت يَغبطك البُكورُ على المَضا
وتغارُ منك الطيرُ خلفَ غموم

وحضرت مبتسماً تذرُّ تفاؤلاً
وتصُدُّ فرداً سُخرياتِ خُصوم

وشرحت درسَك واضحاً ومُفصَّلاً
وشفعته بمَحاور التقويم

وسمحت للطلاب أن يتناقشوا
حتى تُضِيفَ شمائلاً لفهوم

ونشرت عِلمَك بينهم لتزيدهم
فِقهاً يُنضِّرُ صَحوة التعليم

ومَنحت تربية بأعذب مَنهج
بالشرع مُلتزم الصُّوى مَحكوم

ولسوف نحترمُ الوصايا صُغتها
بيراع مبتشر الفؤاد رحيم

ولسوف نعملُ بالذي أوصيتنا
مِن عَذب نصح للأنام عظيم

فاغفر لنا التقصيرَ قد أزرى بنا
سنحاولُ الإصلاحَ بالترميم

غلبَتْ علينا الجاهلية والهوى
حتى اكتوى جيلٌ بنار سَموم

وأتتْ عليه مِن الغواية حِصَّة
حتى غدا المَجهولُ كالمَعلوم

وسقاه كأسَ تمَيُّع تفريطنا
فانصاعَ نحو الهزل كالمَنهوم

فأتى إليك بلا رشادٍ أو حِجا
أبئسْ بجيل ساقط ٍمذموم

لفظ استقامته فعاشَ مُضَللاً
تُشجيه أغنية وعَذب رنيم

هو يا معلمَنا لديك أمانة
صُنها تفز بثوابك المَقسوم

مناسبة القصيدة

(ذات يوم كتب الأستاذ المربي يوسف بن أحمد تحت عنوان: "إهداء إلى ولي أمر ابني الغالي ، من معلم لا يعرف التعب والملل" ما نصه: (أنا معلم وأستاذ ومربي ، وبوصفي معلم صف ، ترسلون لي أبناءكم كل يوم ، وتحاسبونني وتطلبون مني أن لا أضرب ولا أصرخ ، ولا أخرج تلميذاً من الصف الدراسي! وأنا – وربي - حريصٌ على أن يكتبوا وأن يفهموا وأن يناقشوا وأن يُحللوا ، وأن يُحَضروا الدرس في بيوتهم! أنا حريص على أن أرى الواحد منهم أستاذاً! حين أشرح وكأنني أرى داخل صفي أربعين أوخمسين أستاذاً! لا أربعين أو خمسين طالباً! حريص أن أراقب بنفسي دفاترهم وحقائبهم! وأفض الخلافات ، وأنهي النزاع بين المتخاصمين! تقع على عاتقي نصرة المظلوم الضعيف على الظالم القوي ، ويقع على عاتقي إرجاع الحاجات المسلوبة إلى أهلها! وعلى عاتقي إنهاء الشغب لأفهمهم الدرس! وعلى عاتقي فرض النظام والهدوء ، وعلى عاتقي العدل في الجلوس الأول فالأول ، وضعيف البصر على الصحيح ، وهزيل الجسم على البدين ، وعلى عاتقي ترتيب جلوس البنات في الصفوف الدنيا ، وكذلك ترتيب جلوس البنين ، وعلى عاتقي الملاحظة حول الهندام وحول الحلاقة وحول الأظفار ، وربط قيطان الحذاء لهم! وأصنف في دفتري الأولاد فأعرف اليتيم والكريم والسقيم واللئيم ، والعامل والخامل والهامل ، والمُجِد والكسول ، وليسوا سواء فأعطي ذي حق حقه وعلى عاتقي تهوية الصف والحفاظ على نظافته وأناقته ، مع أنه ليس أنيقاً ولو حاولت ، ونتخيله كذلك أنا أستاذ وهؤلاء تلاميذي الأربعون من أربعين عائلة ، قدموا وهناك فوج ثان من أربعين أيضاً ، وهناك فوج ثالث من أربعين أيضاً ، هناك مزيج من حالات الناس وظروفهم وأحوالهم يقدمون إلي من كل مكان وأنا غاية في ضبط النفس تحضيراً وحرصاً واهتماماً وهنداماً وابتساماً عسى أن أعطي كل طالب مسألته تعالوا يا دعاة التدريب وأرباب الأسر هل تملكون ما يملك المعلم المربي الأستاذ من حلم وعلم وسماحة وطيبة؟ يأتينا أبناؤكم فنحضنهم ، ويُخلون بالواجب فننصحهم ، وكنا رغم كل الظروف سعداء ، أنا الممرض أسعف وأبلل المنديل لتخف حمى طالب أو رعاف ذاك أو زكام تلك ، وأنا في نفس الوقت أتناول قرص صداع رأس لي لأستطيع إكمال الحصة الموالية ، ألجأ إلى تفتيش عن حبة حلوى أرفع بها نسبة هبوط في سكر ، أشم رائحة كبدي تحترق حين أوزع النقاط ، فأنهزم أمام ذوي العلامات الضعيفة ، وأجعل نفسي محل اتهام ، فلعلني كنت السبب! تخيلت وليَّ أمر تلميذ عاقلاً رزيناً راح يرد عليه بأن رسالته كانت وصلت وهذا رده عليها! وإنما الفارق أنه يصاغ هذه المرة شعراً لا نثراً! ذلك أن تحايا الشعراء ينبغي أن تكون شعراً! وتعد هذه القصيدة رداً شعرياً ونثرياً على جميل صنع المعلم!)
© 2026 - موقع الشعر