لأنهم من الصعيد - أحمد علي سليمان

يا فؤادي ، ماذا يَخط يراعي
بعد أخبار حلقتْ في سماعي؟

كم سمعنا من الأحاديث راجتْ
واستُحِبَّ ترديدُها دون داع

كم خبرنا بالشائعات احتوتْنا
ثم جاءتْ بسيئات الخِداع

غيرَ أني أخبِرتُ خُبْراً يقيناً
حِرتُ فيه ، واحتارَ فيه سماعي

أن أماً عاشتْ وحيدة دار
واستكانتْ في عيشها للوجاع

وإذا بالأبناء جادوا برأي
كل زوج تُعنى بها وتُراعي

فإذا بالزوجات يُبدين رفضاً
ما قبلن رأياً بدا باقتناع

ثم كانت مُراجعاتٌ وذكرى
واستمرتْ تترى بنودُ النزاع

والصَّعيدياتُ اخترعن الأحاجي
كل زوج أدلتْ بأخزى اختراع

والعجوز لم تلقَ قلباً رحيماً
يَفتديها مِن شَرِّ هذا الضياع

لم يَرُقها تخريبُ أبياتِ وُلْدٍ
لم تُحَبِّذ تأجيجَ نار الصراع

ناصَحَتْهم ألا يكون شِقاقٌ
فاستجابوا حتى دَعَوا لاجتماع

ثم قالوا: التطليقُ أسمى قرار
حيث باءتْ بالسوء كلُّ المساعي

طلقوا أزواجاً أبين التسامي
عن حُظوظ النفوس بالإجماع

فإذا بالزوجات الثلاث أيامى
عندما كان الخذلُ أشقى الدَّواعي

خدمَ الأبناءُ العجوز احتساباً
خدماتٍ لمَّا يَصِفها يراعي

أي بر هذا؟ وأي اهتمام؟
ودَّعَتْ بالإحسان كلَّ التياع

ثم عادتْ حلائلٌ بشروطٍ
طبِّقتْ بالإلزام دون امتناع

ليس مِن باب العدل بل باب فضل
إن في دين الحق أرجى اشتراع

فضلهن أعطى العجوز ارتياحاً
حيث ظلتْ تدعو بدون انقطاع

أن يعشن عيشاً هنيئاً رغيداً
ويُحَصِّلن الأجرَ صاعاً بصاع

إنهم والأزواجُ فخرُ صعيدٍ
خيرُ ناس عاشوا بخير بقاع

مناسبة القصيدة

(عنوان طالعته في مجلةٍ فصلية يقول: ما رأيك في تصرف الأبناء؟! طلاق جماعي في لحظة واحدة! أما مجمل الخبر فثلاثة إخوة بالأقصر يطلّقون زوجاتهم معاً ، في واقعه غريبة من نوعها حدثت في إحدى قرى محافظة الأقصر! نعم طلّق ثلاثة أخوة زوجاتهم معاً وفي وقت واحد! والسبب أنهنّ لم يقبلن أن يقمن بخدمة والدتهم وتغسيلها ، حيث إن أختهم الوحيدة والتي كانت تأتي يومين كل أسبوع لخدمة أمها وتغسيلها اعتذرت هذا الأسبوع ، ولم تتمكن من المجيء منذ فترة بسبب مرض زوجها بمرض السرطان! مما اضطر الإخوة الثلاثة بالطلب من زوجاتهن العناية بوالدتهم وتغسيلها ، فقبلن العرض والطلب من حيث المبدأ! ولكن المهمة كانت شاقة على الكارهات الخذولات! وقضين الوقت بين التأفف والاعتراض والفلسفة العمياء! وقلن: ليخدموا أمهم بأنفسهم ، فهي أمهم لا أمنا! أو ليأتوا بمن يخدمها ويسهر على راحتها ويشرف على علاجها! ولكن الأزواج الثلاثة حاولوا إقناع أزواجهن بالحكمة والموعظة الحسنة ، بالآية والحديث والحكمة تلو الحكمة ، ولكن دون جدوى! وبعد أن رجعوا من العمل يوم وقفه عيد الفطر المبارك شاهدوا أن امرأة عجوز من جيرانهم هي من تقوم بتغسيل أمهم ، فنادوا على زوجاتهم وطلقوهن معاً ، وفي نفس اللحظة اتصلوا بأهالي زوجاتهم ليأتوا ويأخذوا بناتهم وقالوا: بناتكم ليس لهن مكان في بيوتناً! وقرر الأبناء الثلاثة خدمة أمهم بأنفسهم! وأعانهم الله تعالى على ذلك! فلما رأت الزوجات أن أزواجهن قاموا بخدمة أمهم خير قيام ، قررن العودة إلى بيوت الزوجية من باب الإحسان العام! فرفض الأزواج ذلك العرض! ولكن بإرادة الله ومشيئته ثم بجهود الصالحين والصالحات أعيدت المياه إلى مجاريها ، والأقواس إلى باريها ، والخبز إلى خبازيه! وعادت الزوجات بشروطٍ قاسيةٍ وصارمة! فوافقن محتسبات على الله تعالى الأجر! فأعجبتني رقة ذلك فأنشدت قصيدتي مشيداً بأخلاق الصعايدة رجالاً ونساءً! وكم في الصعيد من نجـدة ونخـوة ومـروءة وأدب وأخلاق! وفق الله الجميع لما يحب ويرضى!)
© 2026 - موقع الشعر