خواتيم وخواتيم - أحمد علي سليمان

خواتيمُ أعمال العِباد تُترجمُ
وتُفصِحُ عن حال قلاها التوَهمُ

وتُصبحُ بعد الموت أوضحَ عِبرة
وما استويا عبدٌ تقيٌ ومجرم

تأملتُ في مَوتى ، وطالعتُ ذِكْرهم
وحَللتُ أخباراً لينفك طلسم

فمِن ميِّتٍ قلبي يَحِنُّ لذِكره
وذِكْراهُ أشواقٌ تهادتْ وأنجُم

وسِيرتُه نورٌ يُضِيئ حَنادِساً
وأقواله إمَّا طغى السُّقمُ بَلسم

وآخرُ كالشمس احتوانا ضِياؤها
فينجابُ حالٌ مِن دجى الليل حُلكم

وآخر أعطانا مِن العِلم حِصَّة
وكنا قبيل العِلم في صَف مَن عَمُوا

وشتان بين الصالحين عطاؤهم
يُفيدُ ويبني ثم يُحذِي فيُكْرم

وقوم أراهم طالحين أخسَّة
عطاؤهمُ الإفسادُ يُغوي ويَهدم

وقد زيِّنتْ أسواءُ أعمالهم لهم
لهذا مِن الحق المبين تبرَّموا

ولو أنصَتوا للحق عاشوا أعِزة
وما اقترفوا إثماً ، ولم يَتوهموا

نهاياتُكم تحكي عن الضنك والشقا
وليس يُفيدُ القومَ في الموت مَندم

وتُخبرُنا تلك الخواتيمُ بالذي
جنى مَن عن الإسلام أحجموا

فأغلبُهم أودى بهم سرطانُهم
جزاءً وفاقاً حين ضَلوا وأجرموا

وأهل التقى ماتوا – وربي – أماجداً
خواتيمُهم تُنبي عن القوم أسلموا

فعبدٌ يُلاقي اللهَ حاجاً مُلبياً
وثان بتوحيد الإله يُتمتِم

وعبدٌ تُواتيه النهاية ساجداً
على الذنب بالدمع المُحَدَّر يَندم

ورابعُ بالقرآن يُختمُ عُمره
فيَستعذبُ الآياتِ إذ يَترنم

وخامسُ يدعو الناسَ يُزجي هداية
فيدركُهُ موتٌ لطيفٌ مُكَرَّم

فهذي خواتيمٌ ، وأسلفتُ ضِدَّها
حُتوفٌ قضاها مَن يُجازي ويُنعم

مناسبة القصيدة

(إن الإنسان ليتعجب من بعض الخواتيم التي يبلى بها أهل الصلاح وأهل الطلاح! كيف مرت ساعة الختام على سلفنا الصالح الذين عاشوا على طاعة الله وماتوا على ذكر الله تعالى! فها هو سيدهم وإمامهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سكرات الموت ، ترى فاطمة - رضي الله عنها - ما يتغشاه من الكرب الشديد عند الموت ، فتقول: واكرب أبتاه! فيقول لها صلى الله عليه وسلم استبشارًا بلقاء ربه وحسن خاتمته: "ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم"! وتحضر الوفاة بلالاً بن رباح - رضي الله عنه - فيردد: غدًا نلقى الأحبة: محمدًا وصحبه! فتبكي امرأته قائلة: وابلالاه واحزناه! فيقول: وافرحاه! وعندما نزل الموت بمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: مرحبًا بالموت زائرٌ بعد غياب وحبيبٌ جاء على فاقة ، اللهم إني كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء عند حِلَق الذكر! ولما احتضر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قال لمن حوله: اخرجوا عني فلا يبقى أحد ، فخرجوا فقعدوا على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ، ثم قال: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ثم قُبض رحمه الله تعالى! وإذا برحنا صفحة سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم ، فلنفتح صفحة أهل الفن والغناء والتمثيل ، وشتان بين الصفحتين! وربما يقول قائل: أحياناً يبتلى أهل الخير والصلاح بميتات أشد من مِيتات أهل الشر والطلاح! وأحياناً يبتلى أهل الفساد والطلاح بمِيتات هينة سهلة لطيفة! فنقول: لا يستويان مثلاً! فمشوار الحياة القبلي مرصودة فيه جميع الأعمال ، لكل من الفريقين ، والعبرة بالخواتيم! والعاقل اللبيب من وعظ بغيره ، واستلهم العبرة والعظة وانتفع قبل أن يباغته الموت فيندم ولات ساعة مندم! نسأل الله – تعالى – العافيـة والسلامـة!)
© 2026 - موقع الشعر