(أما هذه القصة فقصة حقيقية مؤلمة. تقول إحدى الأخوات حاكية عن نفسها: كنتُ في يوم من الأيام أنظف بيتي ، فجاء ابني وهو طفل وأسقط تحفة من الزجاح فانكسرت. فغضبت عليه أشد الغضب ، لأنها غالية جداً ، وأهدتني إياها أمي ، وأحبها وأحبُّ أن أحافظ عليها. ومن شدة الغضب دعوتُ عليه فقلتُ: (عسى ربي يطيح عليك جدار يكسر عظامك) ثم تكمل روايتها قائلة: ومرت السنون تلو السنون ، ونسيت تلك الدعوة ، ولم أهتم لها ، ولم أعلم أنها قد ارتفعت إلى السماء. كبر ابني مع إخوانه وأخواته ، وكان هو أحبَّ أبنائي إلى قلبي. أخاف عليه من نسمة الهواء ، وكان بارّاً لي أكثر من إخوانه وأخواته. درس وتخرج وتوظف ، وأصبحت أبحث له عن زوجة. وكان عند والده عمارة قديمة ، ويريدون هدمها وبناءها من جديد. ذهب ابني مع والده للعمارة وكان العمال يستعدون للهدم ، وفي منتصف عملهم ذهب ابني بعيداً عن والده ، ولم ينتبه له العامل فسقط الجدار عليه وصرخ ابني صرخة مريرة ثم اختفى صوته إلى الأبد. توقف العمال وأصبح الجميع في قلق وخوف. أزالوا الجدار عنه بصعوبة ، وحضر الإسعاف ، ولم يستطيعوا حمله لأنه أصبح كالزجاح إذا سقط وتكسر ، حملوه بصعوبة ونقلوه للعناية المشددة. وعندما اتصل والده ليخبرني ، سقطت مغشية عليَّ ، وحين استيقظت كأن الله تعالى أعاد أمام عيني تلك الساعة التي دعوت فيها عليه من سنوات طويلة وهو طفل ، وتذكرت تلك الدعوة التي جاءت كما قلتها بالضبط ، وبكيت وبكيت حتى فقدت وعيي مرة أخرى. ولم أستيقظ إلا في المستشفى ، فطلبت رؤية ابني؟ رأيته ، وليتني لم أره في تلك الحالة. وفي تلك اللحظات توقف جهاز القلب ، ولفظ ابني أنفاسه الأخيرة وشهد شهادة الحق. فلم أتمالك نفسي فصرخت وبكيت وأنا أقول: ليته يعود للحياة ، ويكسر تحف البيت جميعها ، ولا أفقده ، ليتني أصبحت بكماء ولا دعوت عليه تلك الدعوة ، ليت وليت وليت ، ولكن هل تنفع كلمة ليت؟ ومن أختنا المعاصرة هذي إلى عصر قديم آخر. يقول الزمخشري : كنت ألعب بعصفور وأنا طفل ، فقطعت رجله بخيط ، فقالت أمي وهي غاضبة: قطع الله رجلك. قال: فلما كبرتُ ، أصاب رجلي داء فقُطعت. وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله يشكو إليه عقوق ولده فسأله ابن المبارك: أدعوت عليه؟ قال: نعم قال: اذهب فقد أفسدته. ومن هنا كانت رسالتي لكل أم وأب: لا تتسرعوا في وقت غضبكم بدعائكم على أبنائكم. فقط استعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وعوِّدوا ألسنتكم بالدعاء لأبنائكم بالتوفيق والهداية لا بالدعاء عليهم.)
إضافة تعليق - (( user.name )) - خروج
ادارة موقع الشعر (( comment.message.user.name )) (( comment.message.user.name ))
(( comment.message.text ))
لا يوجد تعليقات.