لا تدعوا على أبنائكم - أحمد علي سليمان

دعوتِ على ابنكِ يا حاقنة
وكنتِ بما قلتِهِ غابنة

وكم بالدعاء أبيدَتْ قرى
وكانت بأصحابها آمنة

وجَرَّعَها الذلَّ أعداؤها
فغصَّتْ بأوضاعها الرَّاهنة

وكم بالدعاء نفوسٌ زكَتْ
ومِن قبلُ كانت هي الشائنة

لماذا دَعَوتِ ، ولم تصبري؟
لماذا تهوَّرتِ يا شاحنة؟

أما كان أولى بأن تغفري
بنفس على ما جرى سادنة؟

أما كان أحرى بأن تنصحي
لطفلكِ في السَّقطة الحائنة؟

متى كان طفلكِ مسترشداً
ليُدرك فعلته الرَّاعنة؟

دعوتِ عليه ونال الجزا
كأني بها نظرة العائنة

نهاكِ نبيُّكِ عن ذا الدعا
لماذا تجاهلتِ يا فاطنة؟

ولن يُرجعَ الدمعُ ما قد مضى
متى أثمرتْ أدمُعٌ شاجنة؟

نصحتُكِ نصحاً بدا حِرصُهُ
فهلا تدَبَّرتِ يا حاقنة؟

مناسبة القصيدة

(أما هذه القصة فقصة حقيقية مؤلمة. تقول إحدى الأخوات حاكية عن نفسها: كنتُ في يوم من الأيام أنظف بيتي ، فجاء ابني وهو طفل وأسقط تحفة من الزجاح فانكسرت. فغضبت عليه أشد الغضب ، لأنها غالية جداً ، وأهدتني إياها أمي ، وأحبها وأحبُّ أن أحافظ عليها. ومن شدة الغضب دعوتُ عليه فقلتُ: (عسى ربي يطيح عليك جدار يكسر عظامك) ثم تكمل روايتها قائلة: ومرت السنون تلو السنون ، ونسيت تلك الدعوة ، ولم أهتم لها ، ولم أعلم أنها قد ارتفعت إلى السماء. كبر ابني مع إخوانه وأخواته ، وكان هو أحبَّ أبنائي إلى قلبي. أخاف عليه من نسمة الهواء ، وكان بارّاً لي أكثر من إخوانه وأخواته. درس وتخرج وتوظف ، وأصبحت أبحث له عن زوجة. وكان عند والده عمارة قديمة ، ويريدون هدمها وبناءها من جديد. ذهب ابني مع والده للعمارة وكان العمال يستعدون للهدم ، وفي منتصف عملهم ذهب ابني بعيداً عن والده ، ولم ينتبه له العامل فسقط الجدار عليه وصرخ ابني صرخة مريرة ثم اختفى صوته إلى الأبد. توقف العمال وأصبح الجميع في قلق وخوف. أزالوا الجدار عنه بصعوبة ، وحضر الإسعاف ، ولم يستطيعوا حمله لأنه أصبح كالزجاح إذا سقط وتكسر ، حملوه بصعوبة ونقلوه للعناية المشددة. وعندما اتصل والده ليخبرني ، سقطت مغشية عليَّ ، وحين استيقظت كأن الله تعالى أعاد أمام عيني تلك الساعة التي دعوت فيها عليه من سنوات طويلة وهو طفل ، وتذكرت تلك الدعوة التي جاءت كما قلتها بالضبط ، وبكيت وبكيت حتى فقدت وعيي مرة أخرى. ولم أستيقظ إلا في المستشفى ، فطلبت رؤية ابني؟ رأيته ، وليتني لم أره في تلك الحالة. وفي تلك اللحظات توقف جهاز القلب ، ولفظ ابني أنفاسه الأخيرة وشهد شهادة الحق. فلم أتمالك نفسي فصرخت وبكيت وأنا أقول: ليته يعود للحياة ، ويكسر تحف البيت جميعها ، ولا أفقده ، ليتني أصبحت بكماء ولا دعوت عليه تلك الدعوة ، ليت وليت وليت ، ولكن هل تنفع كلمة ليت؟ ومن أختنا المعاصرة هذي إلى عصر قديم آخر. يقول الزمخشري : كنت ألعب بعصفور وأنا طفل ، فقطعت رجله بخيط ، فقالت أمي وهي غاضبة: قطع الله رجلك. قال: فلما كبرتُ ، أصاب رجلي داء فقُطعت. وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله يشكو إليه عقوق ولده فسأله ابن المبارك: أدعوت عليه؟ قال: نعم قال: اذهب فقد أفسدته. ومن هنا كانت رسالتي لكل أم وأب: لا تتسرعوا في وقت غضبكم بدعائكم على أبنائكم. فقط استعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وعوِّدوا ألسنتكم بالدعاء لأبنائكم بالتوفيق والهداية لا بالدعاء عليهم.)
© 2026 - موقع الشعر