الإنسانية قبل القانون - أحمد علي سليمان

حَييتُ شِعراً في الورى طيِّبَ القلبِ
لمَعروفه لمَّا تلطفَ بالشَّيبِ

ورِقة قلب المرء ليست تكلفاً
ولا تُجتنى طوْعاً مِن الأهل والصَّحب

ولكنها طبْعٌ تأصَّلَ واسْتوى
وليس له شأنٌ بأكل ولا شُرب

وأمرٌ بتنفيذٍ بإخلاء مَسكن
به ضابط قد جاء مِن أقصَر الدرب

ومِن خلفهِ جاءتْ على الفور قوة
تزيد على العشرين مِن خيرة الصحب

على الباب دَقتْ كَفُّ رأس جماعةٍ
لتفتحه كَفٌ تُراوحُ في الثوب

ويُسألُ عن إيجاره أشيبٌ ثوى
فقال: معاشي قد تبخرَ مِن جيبي

وقلت لأهل الدار: يا قومَنا اصبروا
فزمجر أعتاهم وأمعنَ في سَبِّي

فقِيلَ: فهل تحيا وحيداً؟! فقلت: إي
وزدت: نقودي نصفها في دَوا قلبي

فقِيلَ: ضيوفٌ نحن جئنا ، فلا تخفْ
نصَدِّقُ ما قال العجوز بلا ريب

فأوجعتهم بالقول: إنك متعبٌ
لذا اقترحوا المَشفى لتُمعن في الطب

ويُدفعُ إيجارٌ تأخرَ دفعُه
ويُرأبُ صدعٌ كان يأوي إلى الرَّأب

ويُدفعُ إيجارٌ لعام مُقدَّماً
لتذهب مِن عيش مُكابدة الكرب

وتُدفعُ أثمانُ التداوي ، وإنْ غلتْ
ويُبذلُ تكليفٌ بما فيه مِن حُب

ألا إنها الأخلاقُ تسمو بأهلها
وليستْ تُبارى قط في الزمن الصعب

وتعلو بشأن المرء تُحذيه سُؤدَداً
فيحيا مَلاكاً في مُقدمة الرَّكب

وكم عَز إنسانٌ بطِيب فِعالهِ
وكم ذلَّ إنسانٌ بما فيه مِن عَيب

فيا ربِّ بارك في الذي ينفعُ الورى
ودَمِّرْ على كل الفراعين يا ربي

مناسبة القصيدة

(إن موقف ضابط الشرطة الذي جاء إلى شقة هذا الأشيب الفقير لموقف عجيب يستحق أن تُكتب عنه قصائد لا قصيدة واحدة! ذلك أن الجانب الإنساني شغل الضابط أكثر من الجانب الحقوقي أو القانوني! أما اسم الضابط فلا يهم ، وكذلك مكان الواقعة لا يهم ، ولا زمانها يهم! المهم هنا هو فحوى الموضوع وزبدته والدرس المستفاد منه بقطع النظر عن الأشخاص والمكان والزمان! فلقد أمِر هذا الضابط من قبل المحكمة المختصة بالقيام بتنفيذ حكم إخلاء الشقة! وإذن فمعه أمر بالطرد والإخلاء! وهو إجراء يتخذ مع المماطلين من المستأجرين الذين لا يؤدون الإيجار رغم استطاعتهم! فجمع الضابط قوته ورجاله ، وتوجه للشقة المراد إخلائها. فطرق على الباب برفق ، وتأخر الأشيب في الفتح فنال من مالك الشقة كلمات جافيه! وفتح الباب ذلك العجوز الكهل ، بالكاد يكاد يمشي على قدميه وعكازه. فدخل الشقة فوجدها لا تحتوي إلا على بعض الأشياء القليلة جداً جداً من متاع البيوت. وكأنها لرجل زهد في الحياة وزهدت فيه الحياة! فسأل الضابط المستأجر العجوز: مَن يعيش معك في هذه الشقة يا حاج؟ فقال العجوز: لا أحد يا بُني ، أنا أسكن وحدي! فسأله الضابط : لماذا لم تُسدد الإيجار المتراكم عليك؟ فقال العجوز: والله العزيز إن معاشي محدود ، وعلاجي يستوعب أغلبه ، ولا يتبقى لي غير القليل الذي أتقوت به! وقد وعد صاحب الشقة أنه عند استطاعتي لن أتأخر عليه! وطلبت من المالك أن يمهلني حتى أستطيع أن أدفع! فليس لى مأوي غير شقته. ولا أتحمل برد الشوارع! فنظر الضابط له متأثراً وتكاد دموعه تنزل من عينيه لهذا المنظر ، فلقد استشعر أنه صادق في كل الذي قاله عن نفسه. فسأله العجوز: هل أتيت لتخلي الشقة بالقوة ، وترميني في الشارع يا بُني؟! فابتسم الضابط الأصيل المحترم والدموع في عينيه تفصح عن رقة قلبه ونبل مشاعره ، وقال للعجوز: من قال هذا؟! من قال هذا فقد كذب! أنا جئتُ أنا ومن معي نسأل ونطمئن على صحتك يا حاج! فقال له العجوز: ربنا يبارك فيكم يا رب ، والله أنا في غاية التعب والنصب ، والشكوى لله وحده! قال الضابط للعجوز: وهذا الذي علمناه عنك ، من أجل ذلك جئنا نسلم عليك ونطمئن على صحتك ، جهز نفسك كي نذهب بك إلى المستشفى الآن! وقام الضابط الأصيل بطلب الإسعاف ، وتوجه للمالك وقال له: كم عليه من إيجار متأخر؟ فقال المالك: 1900 جنيه يا سيدي! فقال ضابط الشرطة للمالك: اكتب مخالصة وستأخد فلوسك كاملة ، ولن يتبقى لك عند الأسيب درهمٌ واحد ، واعمل إيصال بسنةٍ كاملةٍ مقدماً. وانظر كم يكون حسابك! ودفع الضابط من حُر ماله قيمة الإيجار المتراكم والجديد دفعة واحدة لمالك الشقة! ووصلت عربة الإسعاف ، وحملوا الرجل بداخلها ، وتوجه الضابط مع دوريته برفقة عربة الإسعاف للمستشفى. وأمروا الأطباء فوقعوا الكشف الطبي عليه. وقام بصرف كل ما يحتاجه من الصيدلية ، وعادوا به إلى شقته ، وفي الطريق اشتروا له ما لذ وطاب من الطعام والفاكهة والخضار! وما تركوه إلا وهو يبتهل إلى الله بالدعاء لهم جميعاً! إنها قصة تفرض أحداثها على كل شاعر وكاتب وأديب وتحثه على أن يكتب عنها! إنها موقف أخلاقي نبيل قام به شهم أسأل الله تعالى أن ينفع به! ومن هنا كتبت على البحر الطويل وقافية الباء هذه القصيدة المتواضعة!)
© 2026 - موقع الشعر