لقد شوهتما الحب - أحمد علي سليمان

الحبُّ يَبْرأ مِن تشويه مَن هانوا
وما استجابوا لِمَا يُمليه قرآنُ

الحب أسمى مِن التكدير يَجلبُه
تعنتٌ لم يُطِقْ بلواهُ إنسان

الحب أكبرُ مِن فوضى تحيقُ بمن
على حقيقتهم في حبهم بانوا

الحب أطهرُ مِن سُوآى تُدنسُه
أمستْ يُمارسُها بالعَمد عِرسان

الحب أنقى مِن البهتان باء به
مَن غلبوا جهلهم ، فاشتدَّ عُدوان

الحب رُوحان في المَودة التقتا
فكان بينهما عطفٌ وإحسان

والحب يُثمرُ إنْ طابتْ مطامحُه
ورافقَ الحبَّ إسلامٌ وإيمان

كم مِن مشاكلَ طعمُ الحب يُخمِدُها
فلا تُعكرُ صفوَ الحب نيران

وكم بلايا انتهتْ بالحب قِصَّتُها
وحلَّ من بعدها ودٌ وتحنان

وكم قلاقلَ بالحب الصدوق مَضتْ
ولم يعُد للبلا والضنك سلطان

يا شعرُ حيِّ عَروسَينا ، وأوْلِهما
نصحاً يُفيدُهما ، فالحَردُ فتان

أضناهما الهجرُ أدمى ذات بينِهما
فخيَّمتْ عُقدٌ تكوي وأحزان

في كل يوم خِلافاتٌ تفيضُ أسىً
يَطولُ مِن بعدها بُغضٌ وهجران

وكم وعظنا ، وكلٌ منكما شَبِمٌ
وخُلفه الوعدَ بالتطبيق عُنوان

رَحَى التغافل ما دارتْ لتستمِيا
على الشِّقاق ، وهذا البُعدُ بُرهان

شوَّهتُما الحبَّ في سر وفي علن
وهانَ حبُّكما ، فما له شان

وانفضَ أهلٌ وأصحابٌ ، فما قبلوا
هذا السقوط ، ولم يَحتجَّ أعوان

حطمتُما العشقَ يَهدي كل مَن عشقوا
دربَ الوداد فما ذلوا ولا هانوا

فالعشقُ وفقَ كتاب الله دربُ هُدىً
في ظِله يزدهي صِدقٌ وعُمران

فاستثمرا العشقَ إذ طابت محبته
تصحُّ بالحب ألبابٌ وأبدان

وضَيِّقا سُبُلَ الشيطان ، واتعظا
لن تُفلِحا قط إمَّا ساد شيطان

مناسبة القصيدة

(الأصل في الحب الحقيقي أن تتألف به القلوب وتسكن به النفوس وتطمئن به الأرواح! وقل أن يفلح في هذا حبيبان! فما يلبث حب زيد بزيدة حتى تنال منه المشاكل نيلاً عظيماً! فإن أفلحا في تجاوز المشاكل يكن حبهما قد ارتقى وسما إلى أوج التفاهم والتضامن! وأما إن أخفقا فإن حبهما يكون في مهب الرياح وقليلاً ما يستمر أو يثمر! وهنا تكون الكوارث والعثرات ، ويشوهان بعلاجاتهما الخاطئة الحب بمفهومه العام والخاص! تقول الأديبة كيندة حامد التركاوي تحت عنوان: (الاعتدال في الحب) ما نصه بتصرفٍ زهيدٍ: (يرتبط الحب في قلب الإنسان بدوافع وبواعث ، تبعث عليه مهمتها أن تحرك القلب وتدفعه نحو محبوباته. وتتعدد هذه الدوافع وتتنوع بحسب تنوع المحبوبات واختلافها. فمن الحب ما تدفع إليه البواعث الحسية ، أو العقلية ، أو القلبية. وذلك لوجود صفات قامت بالمحبوب واتصف بها من كمال ، أو جمال ، أو إحسان ، أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الباعثة على الحب ، ويتوقف تعلق النفس بالشيء حبًا ، أو النفور عنه كرهًا على الإدراك الفطري أو الكسبي. فالحب إذن ثمرة الإدراك والمعرفة ، فكلما كانت المعرفة أتم كان الحب أقوى والعكس صحيح. لأجل هذا كان الناس متفاوتين في حبهم للأشياء والأشخاص تفاوتًا بينًا تبعا لتفاوت إدراكهم ومعرفتهم. وإذا كانت وسائل المعرفة والإدراك لدى المرء سليمة وصحيحة أحب الإنسان ما ينفعه ويصلحه ، وإلا أحب الضار يحسبه نافعًا والفاسد يحسبه صالحًا. وبناء على هذا يمكن أن نعرف الحب بأنه: ميل القلب فطرة أو إدراكًا ومعرفة إلى ما يوافقه ويستحسنه. أما في الشرع فقد ورد لفظ الحب في القرآن والسنة بكل جوانبه الطبعية والشرعية. فالجوانب الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء والأزواج وحب المال وسائر الشهوات. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ ، وَطُولُ الْعُمُرِ). والنبي الكريم يرشدنا إلى الاقتصاد في الحب والبغض ، فما يحبه المرء اليوم ، ربما كرهه في الغد ؛ لأنّ الإنسان بطبعه متقلب الأمزجة والأهواء. وموجودُ اليوم مفقودُ الغد ، فالحياة تفاجئنا دائمًا بالحرمان من أهلنا ، وأحبابنا ، وممتلكاتنا ، وهذه سنة الحياة ؛ وإليها يُشير نبي المحبة والرحمة. بقوله صلى الله عليه وسلم: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) والحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن معناه يؤصل لمبدأ عظيم هو العتدال سواءً في الحب أو البغض!).هـ. وإذن فالحب والمشاكل وجهان لعملة واحدة في العلاقات الإنسانية ؛ فالمشاكل تظهر عيوب الشريك وتختبر قوة العلاقة ، لكنها في الوقت ذاته تبرز الحب الحقيقي عبر التمسك والمساندة في أوقات الضعف ، بينما قد تكون المشاكل ناتجة عن التعلق المفرط (الهوس) أو سوء الفهم أو عوامل خارجية ، ويتطلب حلها اهتماماً بالنفس ، ووضوحاً ، وتركيزاً على الأمان والسعادة المشتركة ، وليس على الشكل أو اللحظات المثالية فقط! ونسأل ونجيب: كيف تؤثر المشاكل في الحب؟ والجواب أن ذلك يكون بمؤثرات عديدة منها:- اختبار الحقيقة: فالمشاكل تظهر الشخصية الحقيقية ، وتكشف من يتحمل الآخر في أوقات الضعف! ومنها:- ظهور العيوب: حيث تبرز المشاكل عيوب الشخص وتحديات العلاقة ، ويظهر الحب الحقيقي بالتمسك رغم هذه العيوب! والخلافات: قد تزيد المشاكل من الخلافات والابتعاد ، وتصبح علامة على الحب العميق عند ابن حزم ، إذا كانت متبوعة بالصلح والتوفيق والتراضي. وقصة قصيدتنا تلخصت في عشيقين شوَّها الحب!)
© 2026 - موقع الشعر