لدينها لا لجمالها - أحمد علي سليمان

ظفرتُ بذات الدِّين ما صَدَّني عَيبُ
وما رابني شكٌ يُزَهدُ أو رَيبُ

وكم تفتِنُ النفسَ اللجوجَ خريدة
فتهوَى حَلاها ، ثم تُسرفُ في الذنب

وكم تأسِرُ القلبَ الضعيفَ صَبية
فينصاعُ مختاراً ويَشتط في الحب

ويجري وراء المُغريات ، ولا يَني
يُخادِنُ غاداتٍ مِن الشرق والغرب

وكم تجلبُ العينُ الدَّنايا للاهثٍ
فيهوي وما للصدع في القلب مِن رَأب

لهذا هجرتُ الغِيدَ جُلن بخاطري
وما ضمَّنا نهجٌ يَقودُ إلى درب

وعاقبتُ نفسي باعتصامي وشِدَّتي
فلمَّا يَعُدْ طيفٌ يُدندنُ في قلبي

وُعِظتُ بغيري فاستقامتْ سريرتي
ونقيتُ نفسي والطوايا مِن العيب

وعالجتُ ما بالنفس مِن وطأة الهوى
فألفيتُها مالتْ إلى الحق والأوب

وضَمَّدتُ قلبي بالتقى ، فاستذادني
فلمَّا يعُد في الحب والعشق بالخِب

فلمَّا أتتْ ذاتُ السجايا عرفتُها
وقلتُ: ألا هذي الجديرة بالحب

ألا إن ذات الدين خيرٌ مناقباً
وتُعرَفُ مِن فعل وتُعرَفُ مِن ثوب

تُغلبُ توحيدَ الإله تعبُّداً
وتسعى بدرب الحق بُورك مِن درب

وتسترُ بالجلباب جسماً ووجهها
وإنْ أخطأتْ أفضَتْ إلى الدمع والتوب

وتقفو خطى الأسلاف في كل شأنها
ولم تتبع فوضى أتتْها مِن الحِزب

تهافتتِ (الأحزابُ) ترجو جوارَها
فردَّت: رشادي لا يميلُ إلى اللعْب

ظفرتُ بها ، إذ لم تُقارنْ بغيرها
فأقبلتِ البُشرى محبورة صَوبي

وإن الجمال الحق في الدِّين أولاً
تكونُ مِن الأعجام أو مِن قرى العُرب

يَشِيبُ جمال السِّت والدِّينُ لم يَشِبْ
وشتان بين العُمْر أضناك والشيب

ولا حُسن للنسوان يَفنى بجَنةٍ
ألا إن حُور العِين جائزة الرَّب

مناسبة القصيدة

فقط! ليس جمال الوجه (الزواج في عصرنا أصبح من المسائل المعقدة! ونسأل: لماذا؟ والجواب: لأن العريس يُراهن فيه على الاختيار! فيا سعده وفوزه إن نجح في الاختيار! وما أتعسه وما أشقاه إن هو أخفق في ذلك الاختيار! وكانوا يقولون: (إن الذي يتزوج من امرأةٍ يتزوجُ أهلها معها)! وكنتُ أستهجن هذا القول! وجاء اليوم الذي أدركتُ فيه مدى صدق هذا القول! بل زواجُه من أهلها مقدم على الزواج منها! والمثل لا يقصد مادية الكلمة! بل يقصد ما وراء اللفظ من معاني! وهو الإشارة إلى تأثير الأهل على ابنتهم وتأثرها بهم قبل وبعد الزواج! عموماً الجمال جمال الروح وليس جمال الجسم فقط! فهذا أحد العرسان يقول: تعرفتُ على أسرةٍ طيبةٍ ، وأتاني اﻷب يريد تزويجي ابنته عارضاً إياها عليَّ! فلما ذهبتُ للنظرة الشرعية ، وجدت البنت غير جميلةٍ بل دميمة وكبيرة في العمر. فقررت أن لا أتزوجها قولاً واحداً! وهي شعرت بعلامات عدم الرضا في وجهي! لكنها قبل أن تغادر غطت وجهها وقالت لي: لقد رأى وجهي خطابٌ كثيرون غيرك ، وكلهم يذهبون إلى غير عودة! وأتوقع أن تفعل الذي فعلوا! عموماً أنت حر ، ولتكونن آخر رجل يرى وجهي في حياتي ، ولن أتزوج أبداً! فقمت وغادرت ، وعدت إلى بيتي ، ولكن لم أستطع النوم! ولن تصدقوا كلامي! لقد أحسست بانجذاب عجيب نحوها ، وشعرتُ بحب غريب ، كنتُ قد نسيت معه شكلها وتذكرت كلماتها فقط ، وقولها: (والله لن يرى وجهي زوجٌ غيرك)! فلم أستطع اانتظار لوقت أطول ، حتى ذهبت وطرقت الباب على أبيها الساعة الثالثة صباحاً! ففتح الباب وهو يقول: خيراً ، لعله خيرٌ إن شاء الله تعالى! تفضل! قلتُ له: يوم غدٍ الخطوبة ونكتب العقد إن شاء الله تعالى! وظل اﻷب يبكي وقال لي: فرَّج الله همَّك مثلما ما فرَّجت همَّي! هذه البنت كانت أكبر همي في الدنيا! وكنتُ أخشى أن أموت وهي لم تتزوج! فقلت له: هذه زوجتي إن شاء الله في الدنيا وفي الجنة! وهنا دخل اﻷب وهو يقول لزوجته: أسمعونا الهلاهل والتباريك والزغاريد! فذهبت ونمت ، وبعدها اتصلت بصديق لي ، كي يجهز لي أمور الخطوبة والهدايا! وذهبت على وعدي واتفاقي رغم معارضة أهلي الشديدة! وكتبنا العقد ، ولما رأتني قالت لي: أعرف جيداً أنك تزوجتني رحمة بي وشفقة علي وجبراً لخاطري ، فليس في ما يدعوك إلى الزواج مني مطلقاً! فلا جمال ولا مال ولا جاه ، أما الدين فكلا يا سيدي! أنا أحب الدين وألتزم أوامره ما استطعت إلى ذلك سبيلاً! فإن كنت ممن يرغبون في الدين ويشترطونه في زوجاتهم ، فأنا هي! لكن سأقول لك بكل صدق وشفافية وحيدة وموضوعية: والله لن تندم أبداً! وبالفعل تزوجنا والله العزيز لقد الله جمّلها في عيني ، فهي حورية في نظري ، ورزقت منها بالبنات والبنين ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، هم زهرة الحياة الدنيا ، وزوجتي هي وجنتي هي! لم ترفع صوتها علي يوماً ، لم تغضبني يوماً! كلما ذكرت طرف آية أو حديث أكملت كأنما تقرأ من كتاب! ناهيك عن العمل ، وهذا مما زادني حباً فيها! اللهم لك الحمد على هذه النعمة! الجمال يا قومنا ليس جمال الوجه فقط ، والكبر ليس بالعمر فقط ، إنما الجمال جمال الروح والقلب! وهذا الفرق بين تغليب الدجين على المال والجمال أو العكس! لقد وجدت أن جُل من غلبوا الجمال والمال والجاه كانوا قد أخفقوا! بينما كل من اختار على أساس الدين والعمل به نجحوا وأفلحوا! إلى أن أصبحت أحدهم!)
© 2026 - موقع الشعر