عندما بكى الرشيد - أحمد علي سليمان

الدمعُ أحيا الذي في القلب مِن كمدٍ
وهيَّجَ الوَجدُ ما في النفس مِن كَبدِ

وسالَ دمعُ أمير المؤمنين ضُحىً
لمَّا تناولَ مكتوباً سما بيَد

ضفيرة الشعر والكلمات تُتحفها
طاشتْ ببأس شديدٍ ساكن همِد

واستأثرتْ بفؤادٍ ما استكانَ لِمَا
قال العِدا بل سعى للرُّشْد والسَّدد

غزا وأعملَ سيف الحق عن رغب
وشجَّعَ الجند في عزم وفي جلد

حتى يُبدِّدَ ما بالروم من صلفٍ
وكي يُذيقهمُ ما طال مِن بَدَد

وكي يُحَرِّرَ نِسواناً لجَأنَ له
وقبلُ ألمحْنَ للرحمن بالمَدد

والجيشُ جاهدَ في قرىً وفي حَضر
بخير جُندٍ تقاةٍ سادةٍ مُجُد

وعندما وصلوا للسِّجن ضاقَ بهم
ذرعاً تفرَّدَه في الصُّنع والعَمَد

فاستنقذ الأخواتِ ، الظلمُ أفقدَهُ
صَوابَ ذي خلق في الكيد مُقتصِد

وحطمَ السجنَ والأحجارَ حَمَّلها
إلى الديار لتبقى خِيرة الشُّهُد

سَوَّى الحوائط بالأرض التي حُمِلتْ
ولم يكن في القوى أقوى ولا العَدد

لكنه ثِقلُ الإيمان يجعلُ من
أوهى الجيوش خميساً بات كالبَلد

وجَدَّ في أسر أجنادٍ وقادتهم
فما تبقى مِن الأفراد مِن أحد

إلا الذي فرَّ من ساحات خندمةٍ
يُعَز فيها عبيدُ الواحد الأحد

وجاء (هارونُ) بالزوجات عن رغم
يَخدمن في الدُّور رَهنَ الضنك والكَمد

الآن ندري لماذا النيلُ مِن رجل
عاش الحياة لدين الخالق الصمد

يُشَوِّهون ، ومَن يُصغِي لباطلهم
شتان شتان بين الصِّدق والفند

الحق مُتضحٌ ، له مصادرُهُ
ولن يُدنسُهُ تزييفُ مُنتقِد

فالحق كالماء يَسري والهُرا زبدٌ
فهل تساوتْ سُيولُ الماء بالزبد؟

هارونُ تاريخنا يزهو بسِيرته
مهما طغى كِذبُ مَوتور ومُضطهِد

مناسبة القصيدة

(التقينا مع أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ملك الدنيا في زمانه هارون الرشيد رحمه الله! نعم التقينا معه في قصائد شتى في مواقفَ متعددةٍ من حياته! وأفردنا لزوجته الأميرة العباسية القرشية زبيدة بنت جعفر بن المنصور رحمهما الله جانباً كبيراً من الكتابة! وأخيراً استقر الرأي على إخراج كتابين: الأول عن هارون الرشيد ، والثاني عن سيرة ومسيرة الأميرة زبيدة ، رحم الله الجميع! أسر ملك الروم بعض النساء المسلمات ، فبلغ الخبر هارون الرشيد ، فاستنفر الناس للجهاد ، فجاءته خرقة ملفوفه وفيها كتاب فقرأه فإذا فيه: (إني امرأة من أحد بيوت العرب ، وقد بلغني ما فعل الروم بالمسلمات ، وبلغني استنفارك على الغزو ، فعمدت إلى أكرم شيء في بدني علي ، وهما ذؤابتاي ، فجززتهما وصررتهما في هذه الخرقة. فأنشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غاز في سبيل الله ، فلعَلَّ الله ينظر إلي نظرة على تلك الحال فيرحمني). فبكى الرشيد ، ونادى بالنفير فغزا بنفسه ، وفتح الله عليه مدن كثيرة في طريقه لمكان السجن الذي به نساء المسلمين ، حتى وصل هارون إلى مكان الأسيرات في أحد السجون العظيمة البناء المحكمة الأبواب والحراسات المليئة بالدهاليز والأنفاق السفلية! فأمر جنوده بإخراج الأسيرات وأخذ أكبر عدد ممكن من الروم كأسرى ، ثم أمر جنوده بهدم السجن تماماً وتسويته بالأرض ، فهل اكتفى بذلك؟! لا لم يكتف بذلك ، بل أمر بتحميل بعض من حجارة جدران السجن مع غنم كل مكونات المبنى من بوابات ضخمة وحديد وأسلحة وعتاد كثير وعظيم وتحميله على الدواب وعلى ظهور الجنود الرومان الأسرى! حتى وصل بهم إلى الشام ، وأمر أن يُبنى لكل اسيرةٍ محررةٍ بيتٌ عظيمٌ ، وتوزع عليه قطع من حجارة المعتقل بالتساوي! ليس هذا فحسب ، بل كان عمال السخرة هم جنود الرومان الذين شاركوا في أسر النساء وحراستهن وإهانتهن في المعتقل الروماني ، وكان من بين الرومان ضباط من ذوي الرتب الكبيرة ، فجعل قيمة فكهم من الأسر أن يراسلوا زوجاتهم ليحضرن ليعملن خادمات في بيوت الحرائر من الأسيرات لمدة ثلاث أهلة. ثم أحضر النساء بعد انتهاء المدة إلى بيت الحكم وقال لضباطه من كان يريد خاطري فليتزوج منهن من تقبل به زوجاً ثم سأل: هل ذهب الهم والحزن من قلوبكن يا أخواتي؟! فقلن له: ومالنا لا نرضى وقد جعلتنا أعز نساء الأرض في زماننا؟! أعلمتم لماذا يتم تشويه سيرة هارون الرشيد ووصفه بصفاتٍ مشينةٍ كلها مكذوبة؟ السبب أنه فتح بلاد الشرق والغرب والشمال والجنوب ، حتى لقبوه بملك الأرض الأعظم! إنه قمر بني العباس! ومنذ عقدين كتبت قصيدة شبيهة بهذه القصيدة عنوانه: (كلتاهما قصت ضفيرتها)! وتأتي هذه بعدها تدور على نفس المغـزى! ولكن هـارون الرشيـد فرض على قلمي شخصيته ، فترجمت خبره شعـراً!)
© 2026 - موقع الشعر