الرحيل المهان - أحمد علي سليمان

واهاً للقربى والصُّحبة
هل وصْلُ الأهل غدا سُبَّة؟

قطعُ الأرحام غزا قوماً
ودَعتْهم للوصل النخبة

فرأوا في القطع شرافتهم
وعليه الهمة مُنكبة

ودليلي في القصة هذي
في ضَيعتنا سَكنتْ وهبة

قطنتْ في الدار بمفردها
لتُعاني مِن أعتى غربة

والأهلُ قلوْها عن رَغب
في حال مُقلقةٍ صَعبة

ما زاروها أو وصلوها
وامتدتْ سنواتٍ غيبة

وأتتْها ساعة مِيتتها
لا قربى تحزنُ أو صُحبة

عَدِمتْ مَن يُحْسِنُ تغسيلاً
إن التغسيلَ له هيبة

عدِمتْ مَن يُتقنُ تكفيناً
بالأجر يُكَفنُ ، أو حِسبة

عدمتْ مَن يَسترُ جُثماناً
أو يَحمله حتى التربة

عدمتْ مَن يَندِبُ أو يبكي
والنوحُ حرامٌ ، والندبة

والروحُ عن الجسم تخلتْ
طعمتُها فنيتْ والشربة

والعُمرُ نأى عن رحلتهِ
ودَهتْه مِن البلوى نكبة

والجسمُ تعفنَ ، وانبعثتْ
رائحة مُقرفة عَطبة

واقتُحمت غرفة مَيِّتةٍ
وبلا إذن بالمِرزبة

رحلتْ في صَمتٍ وهوان
بعد الغيبوبة والنوبة

أين الأهلون وفزعتُهم
والفزعة تشفعُها كُربة؟

أين الأصحابُ ونجدتُهم
ليَهبُّوا عن رغب هبة

أين الجيرانُ وجيرتُهم
باؤوا في الموقف بالعَيبة

رب ارحم أمَة قد رحلتْ
في صمتٍ في أعلى القبة

مناسبة القصيدة

(هناك في الزقازيق كانت تسكن سيدة الشرفة أو القبة حيث كانت تسكن في غرفة على السطح: "الحاجة – وَهبة - أو أم شهد" في أمن وإيمان وسلامة وإسلام وإيمان! فإذا بها ترحل في صمت! وبعد أسبوع من الوفاة دون أن يشعر بها أحد في الزقازيق! وتحديداً في أحد شوارع منطقة المحطة بالزقازيق ، والتابع لقسم شرطة أول الزقازيق أُسدل الستار على حكاية سيدةٍ مسنةٍ عاشت وماتت في عُزلة شبه تامة ، دون أن يفتقدها أحد ، إلا الذباب والرائحة التي تسربت من نافذتها لتُبلغ عن غيابها الأبدي! اسمها (وَهبة) والشهيره بأم شهد ، وهي سيدة تبلغ من العمر 54 عامًا ، كانت تعاني من سمنة مفرطة جعلت حركتها صعبة ، وعزلتها أصعب. فمنذ وفاة زوجها ، عاشت بمفردها في شقةٍ صغيرةٍ ، والشرفة كانت نافذتها الوحيدة على الحياة. كانت تراقب الشارع من بعيد ، تبتسم للأطفال ، وتحيي الجيران بكلماتٍ مقتضبة ، وتقوم بإنزال صندوق خشبي لمن يشتري لها الطلبات ، لا أبناء ، ولا زيارات ، ولا أصوات تكسر صمت أيامها ، سوى مرة واحدة كل شهر حين كانت تنزل بصعوبة شديدة لتقاضي معاشها ، ثم تعود إلى وحدتها وعزلتها! رحلت "مهان" دون أن تودِّع أحد ، وظل جسدها أسبوعًا داخل الشقة ، لا يُشتم منه سوى رائحة الموت. جيرانها لاحظوا الذباب يتجمع على نافذتها ، والرائحة تخترق الجدران ، فاستدعوا الشرطة التي اقتحمت الشقة لتجدها جثة هامدة على سريرها! والمفاجأة الأكبر أن لا أحد من أقاربها كان على تواصل معها ، ولم يُعثر على من يستلم جثمانها سوى شقيقها ، الذي لم يزرها منذ سنوات ، وتم إبلاغه بواسطة الجهات الأمنيه لإنهاء إجراءات الدفن! رحيل "مهان" لم يكن فقط موتًا ، بل صرخة صامتة في وجه قسوة الحياة والإهمال الاجتماعي ، ورسالة مؤلمة عن معاناة من يعيشون وحدهم ، وتكون الشرفة ملاذهم الوحيد للتواصل مع العالم! قطيعة الرحم هي قطع العلاقة بين الأقارب ، وتعتبر من كبائر الذنوب التي حذر منها الإسلام بشدةٍ لما لها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.)
© 2026 - موقع الشعر