عجبتُ من قدرة الله تعالى - أحمد علي سليمان

أحارُ في قدرة المولى ، فأطريها
وبالفؤاد ذهولٌ ينثني تِيها

وكم عجبتُ مِن الإعجاز ألمسُه
في كل شيءٍ ، وفي الدنيا وما فيها

وكم تساءلتُ في سِر وفي عَلن
عن معجزات أراني لستُ أحصيها

وكم تملكني الخشوعُ ، فانهمرتْ
دموعُ عين – من الإبداع – يُبكيها

وكم تفكّرْتُ في صُنع المُهيمن في
دنيا تدُلّ على الديّان مُنشيها

وكم نظرتُ إلى كون غرائبُه
تزيدُني - لمليك الناس - تأليها

وكم تأملتُ ما حولي صباحَ مَسا
لأودِعَ القلبَ إرشاداً وتنبيها

وكم تبصّرْتُ في أحوال مَن رشدوا
إذ لم يكن رُشْدهم في الناس تمويها

وكم تدبّرتُ أعمال الألى فسقوا
مَن شوهوا الدينَ بين الناس تشويها

وكم تفرّستُ - في الأمور - أرقبها
حتى سَبَرتُ خبايا لستُ أدريها

وكم عجبتُ إلى أن ضاق بي عجبي
فذِعتُ أسرارَ نفس عشتُ أخفيها

عجبتُ للأرض أعطتْ كل مجتهدٍ
مُوَحّدٍ ، أو كفور النفس طاغيها

لم تدخرْ - عن جميع الخلق - نِعمتها
ولم تؤخرْ خيوراً أودِعتْ فيها

بل أغدقت خيرَها – واللهِ - مُكرَهة
وتلك سُنة رب الناس يُجريها

عجبتُ للسبع فوق الأرض قد رُفعتْ
بدون أعمدةٍ ، سبحان باريها

وكم رأيت السما الدنيا وحَبكتها
وحيّرت خاطري الآياتُ تحويها

وبالكواكب قد زِينتْ لناظرها
وترسلُ الغيثَ - للأرضين - يُشجيها

وليس تسقط ، إن الله مُمْسكها
إني أنوّهُ للآيات تنويها

عجبتُ للشمس في السماء سابحة
لمُستقر لها ، الرحمنُ يُجريها

تجودُ بالدفء والأنوار طائعة
وذات يوم يُكَوّرُها ويُفنيها

عجبتُ للقمر المنير طلعتُه
في الليل تبتلعُ العَتماتِ ، تُرديها

والله قدّره منازلاً عُلِمتْ
يُعيدها الله أياماً ، ويُبديها

وما استوى البدرُ والمُحاقُ في نظري
لكنْ أشبّهُ - بين اثنين - تشبيها

عجبتُ للنجُم الزهراء ساطعة
وإن سرت سُحُبٌ سودا تُغطيها

هي العلاماتُ ، إذ كم يُستدل بها
من يا تُرى - لصحيح الدرب - يهديها؟

عجبتُ للمطر الثجّاج يُنزله
ربُ الأنام على الصحرا ، فيُحْييها

عجبتُ للزرع – في الحقول - منتشراً
بطيّب العِطر والفحوى يُحَليها

ما بين مُر ، وحلوٍ طاب مأكله
ومالح ينهرُ الأفواهَ يكويها

مَن أودع المُر – يا قومي – مرارته؟
طعم يُشَفي بألسنةٍ ، ويؤذيها

عجبتُ للطير في الآفاق شادية
تسُرّ آذانَ مَن يُصغي ، وتغريها

تغدو خماصاً ، بلا كَلٍ ولا مَللٍ
بحثاً عن الرزق ، ما خابت مساعيها

تعطي الصغارَ الذي جادَ الإلهُ به
تُعنى بأفراخها دوماً ، وتُؤويها

عجبتُ مِن شامخ الأجبال راسخة
تُثبّتُ الأرضَ ، تُوْثِقها ، تُقويها

عجبتُ مِن منظر الأسماكِ عِيشتها
في البحر طيبة ، والرزقُ يَكفيها

عجبتُ مِن مشهد الحِيتان مُشْرعة
مثلَ البوارج ، إن حطتْ مَراسيها

عجبتُ مِن نجدة الدُلفين يَبذلها
في لجّة المَوج ، إن شطتْ غواشيها

كي ينقذ الغارقين البحرُ جندَلهم
هذي الشهامة في أبهى معانيها

فمن هداه لمعروفٍ يجودُ به
إن الدلافين أعيتْ مُستمِيحيها

عجبتُ للقِرْش مُختالاً بصولته
أسرابُ طير طفت زهواً خوافيها

عجبتُ مِن سَكن الجنين في رحِمٍ
والأمّ ترتقبُ المولودَ يُشجيها

عجبتُ للإبل الصبورة انطلقتْ
بدون ماءٍ – خلال السّفر - يرويها

عجبتُ للنحل يَحيا في بُلهنيةٍ
فمَن - على عيشه الجميل - يُضفيها؟

يُلقي علينا من الأعسال صافية
فاسألْ معي الناسَ: مَن جُوداً يُصَفيها؟

عجبتُ للبحر ، والأمواجُ تغمرُه
والمَدّ يدفعُها ، والجزرُ يُزْكِيها

عجبتُ للصبح مُذ وافى تنفسَه
في رحلةٍ هدآتُ الليل تُغشيها

عجبتُ لليل يحدُونا بظلمته
والفجرُ يبعثُ عذبَ النور يُجْليها

عجبتُ للزهر باقاتٍ مزركشة
على مباسمه الأفراحُ تُبديها

عجبتُ للورد فاحت منه رائحة
مِن العذوبة تستهوي مُريديها

عجبتُ للناس من عُرْب ومن عَجَم
هذي اللغاتُ عليهم من يُلقيها؟

واللهُ يسمعُ كلاً وفق لهجته
حتى يوجّههم - للخير - توجيها

عجبتُ للظالم الطاغوت طال به
ظلمُ البرية - بالتنكيل – يُشْقِيها

فقتّل البعضَ رغم الأنف في شُبهٍ
وفي أكاذيبَ – جهراً – ظل يَحكيها

وقطعَ البعضَ بالأسياف تشفية
وأوقدَ النارَ - للأجسام - يَشويها

وهجّرَ البعضَ - في الأصقاع - منتقماً
وإن تعدْ فئة منهم يُصَفيها

وأودعَ البعضَ سجناً دون مَرحمةٍ
لو أنه مسلمٌ لكان يُزجيها

ولفق التهمَ المفضوحة التصقتْ
بالناس ظلماً - على البلوى - يغطيها

إذ غرّه حِلم جبّار السماء ضحىً
فباغت القومَ بالأوجاع يَنويها

عجبتُ للحائر المظلوم سربله
جَورُ الطغاة بأحوال يُعانيها

فبات يجترّ آلاماً تصارعُه
فأبدلته عذاباتٍ يُقاسيها

ولم يزلْ بدعاء الله مشتغلاً
مؤدّباً نفس مَكلوم ، يُنقيها

يدعو ، ويُوقِنُ أن الله ناصرُه
وكاشفٌ عنه أسقاماً يُهاجيها

فتلك دعوة مظلومٍ تُقاسمُه
مَعيشة بطرتْ – جهراً - مَساويها

يقول ربك: يوماً سوف أنصرُها
لو بعد حين ، بتقديري أواليها

عجبتُ للخيل - في الهيجاء - ضابحة
تُخلص الدارَ مِن بلوى أعاديها

تمورُ قدحاً ، فيهتاجُ العَجاجُ بها
والعِيرُ ترجُفُ قاصيها ودانيها

تُغِيرُ صُبحاً ، وأعداءُ الهُدى رَقدوا
حتى تُفاجئهم ، فمن يُضاهيها؟

عجبتُ للأسْد - في الغابات - رابضة
في عِزة النفس مَن منا يُحاكيها؟

لا تستكينُ لأعداءٍ بها ظفرتْ
وتستبدّ بحُمْر في مراعيها

عجبت للنخل – في الأمصار - باسقة
توشوش السُحْب ، ما أحلى تساميها

وتُسقِط الرطبَ الذي يُحاكمنا
أن الجميع - بصخر الأرض - يرميها

فمَن يردّ حقوقَ النخل إذ هُضمتْ؟
أمّنْ على جودها – حقاً – يُكافيها؟

عجبتُ للسُحْب - في الجوزاء - هائمة
تهمي غيوثاً رطيباتٌ مصافيها

عجبتُ للسُفن الشمّاء ماخرة
عُبابَ ماءٍ بلا يأس يُناغيها

واستقبلتْ أمرها - في البحر - جاهدة
جلّ المهيمنُ مُرسِيها ومُجريها

عجبتُ للطائرات اليوم نشهدُها
فوق الغمائم ، بل أعلى أقاصيها

فمَن يُوَصّلها - إلى المطار - إذن؟
ومَن تراه مِن السقوط يحميها؟

عجبتُ للناطحات السحْب تُخجلنا
بما ابتنينا مِن الصروح تُزريها

كيف ابتناها أناسٌ في ديارهِمُ؟
فما ابتنينا بنايات تُماهيها

عجبتُ للسُور سُور الصين صَنعته
سَمَتْ عن الوصف هل شعري سيطريها؟

عجبتُ مِن أهرمات الجيزة استلبتْ
ألبابَ مَن نظروا إلى مراميها

أجداث فرعونَ والآل الذين طغوْا
وقِصة كتبُ التاريخ ترويها

عجبتُ مِن كتب صِينتْ بمكتبة الإ
سكندرية تُخفيها ، وتُبديها

عجبتُ مِن (تاجْ محَل) في عِمارتها
وفي النقود التي قد بُدّدَتْ فيها

قبر الحليلة (ممتاز) التي هلكتْ
و(شاه جهان) بما بنى يُواسيها

عجبتُ مِن برج (بيزا) مال منحدراً
نحو البسيطة ، هل أمسى يُناجيها؟

عجبتُ في (بابل) مِن الحدائق لم
أجد مثيلاً لها ، سُقيا لمُنشيها

عجبت مِن برج (إيفيل) ورفعته
وسُمعة أسنتْ ، أراه ينفيها

وللفرنسيس بالأبراج خِبرتهم
وللأماديح أقوامٌ تُغنيها

عجبتُ من زمن فاحت حضارته
مِسكاً يُعطر دنيانا ، يُسليها

في كل شبر رموز العِلم ماثلة
تُسهّل العِيشة الشجوى ، تُهنيها

عجبتُ للقاطرات الهُوج تحسِبُها
تُسابقُ الريحَ إن سارت ، وتفريها

عجبتُ للكهربا غزتْ مَعايشنا
تُزلل الصعبَ ، والدنيا تُحييها

على الجمائل لا حصر ، ولا عددٌ
ومنكرُ الفضل للفضلى يُجافيها

تبارك اللهُ في دنيايَ أوجدَها
تفضلاً منه - بالخيرات - يعطيها

عجبتُ للنِعم الكُبرى تُجمّلني
وأولُ النعم التقوى تُساويها

وبعدها العقلُ ، والتكليفُ عُمدتُه
فهل هنالك مِن نعمى تُساميها؟

واسأل عن العقل من غِيلت عقولهًمُ
فأصبحوا بعدها فينا مَعاتيها

ونعمة البصر الحديدِ ما فتئتْ
تُبدي الحقائقَ: خافيْها وباديْها

ونعمة الروح: ما فحوى حقيقتها؟
مَن حاز قصّتها – صدقاً - فيُفشيها

مِن أمْر ربي ، ولم يخبرْ بها أحداً
وإن تُفارقْ جُسومَ الناس تُرديها

(عجبتُ) ليس لها مدىً يُحدّدها
لم ندر - من حولنا - الأشياءَ نحصِيها

فالعلمُ لله مَولانا ومَوجدنا
برا البرية مِن طين ، ويُفنيها

حاولتُ بالشعر وصفَ القدرة انتظمتْ
كل الخلائق في الأمور تمْضِيها

وللقصيدة مَغزاها ورَونقها
وشاهدي - في سنا الفحوى - قوافيها

أوردتُ كل جمال أستعينُ به
ومَن يُطالعْ يجدْ سَجعاً وتشبيها

والاستعاراتُ بالنوْعين تدمغها
وللبديع أماراتٌ تُزكّيها

أنشدتُها - في اقتدار الله - مُحتسباً
عسى المُهيمن يَجزيني ، ويَجزيها

وبارك اللهُ فيمن خط زبدتها
والسامعينَ لها ومَن سيرويها

إن الذي خلق الوجود من عدم
قد استحق - من الأنام - تنزيها

ويخلصون - لمولاهم - عبادتهم
عبادة غمرتْ حباً وتأليها

إذ ليس يُعبد غير الله خالقهم
لذا أسفه أهل الشرك تسفيها

تعساً لمن عبدوا القبور أجمعهم
ومن يؤله مَن فيها ، ويُطريها

إني رأيت الألى القبورَ قد عبدوا
على طرائق ، والأهواءُ تُجريها

لا يُستساغ الذي أتوه مِن ضلل
وفتنةٍ أحرقتْ أشقى مُريديها

وهل يُطاع طواغيتٌ إذا شرعوا؟
هذا يشوه من أتوْه تشويها

وهل - على الشركا - أوزار من عبدوا
إذ شبهوا الله بالمخلوق تشبيها؟

لا يغفر الله شركاً أكبراً أبداً
وفي الكتاب نصوص فاز تاليها

إلا إذا تاب منه العبد متبعاً
هَديَ الرسول بعزماتٍ يُزكّيها

ويغفر الله ذلاتٍ ولو ملئتْ
بها الصحائفُ ، كان العبد يُخفيها

حتى الكبائر فضلاً منه يغفرها
وإن يكن فاعلُ الزلاتِ يُبديها

وإن أتى بقراب الأرض معصية
تفضل الله - بالغفران - يطويها

فلا يكونُ لها فيما أتى أثرٌ
فعفو رب الورى - في التو - يُرديها

لكنْ بتوحيد رب لا يُخالطه
شركٌ يؤله غيرَ الله تأليها

توحيدُ رب الورى لا شيء يعدله
يُزكي الصحائف أعمالاً ويُرْبيها

أراه أفرض ما الديانُ أوجبه
يُحْيي النفوس ، وبين الناس يُعْليها

الخلق والأمر للرحمن سيدنا
هذي الحقيقة تُزْكِي الروح ، تُحْييها

تبارك الله من – للخير - أرشدنا
وأرسل الرسْلَ - للآنام - تهديها

مبشرين بجناتٍ لمن عبدوا
من استمى عن صفات النقص تنزيها

ومنذرين بنيران لمن كفروا
فلا تكنْ حُجة يَحتجُ آتيها

© 2022 - موقع الشعر