حياة عمر بن الخطاب في قصيدة (بردة عمر) - أحمد علي سليمان

ما للعيون على (الفاروق) تنكسرُ؟
ما للدموع عليه اليومَ تنهمرُ؟

ما للضمائر تشكو ما يُسربلها؟
ما للقلوب على المصاب تنفطر؟

ما للنفوس تُعاني هجمة جثمتْ
ما للبلاءات في الأصقاع تستعر؟

ما للمصائب تترى فوق أرؤسنا؟
ما للوجوه طوى سِيماءَها القتر؟

ما للعذابات تكوينا وتجرحُنا؟
ما للدغاول يُلقيها الألى مكروا؟

ما للتحدي له أعتى دهاقنةٍ
ونحن مِن خوفنا نكادُ نُحتضر

عوى اللئامُ على (الفاروق) يدفعُهم
بُغضُ الحنيفة ، هم على الأذى ائتمروا

قالوا: به الداءُ لا يشفيه منه سوى
ماءُ الرجال ألا خابَ الألى خسروا

قالوا: اعتدى وبغى ، وشدّ فاطمة
وضلعُها كُسرتْ ، والمُعتدي عمر

وأسقط الحَملَ لمّا الكسرُ زاحمه
والكسرُ ماتت به إذ ليس ينجبر

وأحرقَ الدار فيها (فاطمٌ) سكنتْ
وفي الحريق طغى الإيامُ والشرر

وعاقبَ الله مَن خطوا ، ومَن طبعوا
ومَن لذا صدّقوا ، ومَن به بُهروا

حتى متى كذبٌ يَروجُ يا همجاً
دواء هذا الهُرا الهندية البُتُر

قالوا: (أبو حفصةٍ) مُنافقٌ كفرُهُ
مُحققٌ ، وله مصيرُ مَن كفروا

وأنه حرّفَ القرآنَ أنقصهُ
أواهُ أواهُ مِن بُهتان مَن فجروا

ونحن ندري لماذا الطعنُ في عمر
على يديه انتهى المجوسُ واندحروا

ومجدُهم زال ، واندكتْ ممالكهم
والجيشُ زال ، وبعضُ الجند قد أسِروا

كُتابُنا أين والأعداءُ قد ولغوا
في عِرض (فاروقِنا) ، والأمرُ مشتهر؟

وأين ولى أولو القريض ما انطلقوا
بشعرهم ، ثم للفاروق ما انتصروا؟

نقادنا أين ، والساحاتُ متخمة
بجوقةٍ بعُرَى التاريخ تتجر؟

شُيوخنا أين والعلمُ الذي علموا؟
أما أتاهم عن الأصاغر الخبر؟

للهم سخرْ ليَ الأشعارَ طيعة
حتى يُسَرّ بما في نصها عمر

للهم زدني من الإيحاء أعذبه
ومِن سري المعاني ما به سمر

للهم مُرْ طيبَ الألفاظ يُسعفني
حتى يطيبَ بنصي الوِردُ والصَدَر

للهم واجعلْ ليَ الأوزانَ سامرة
هل يُطربُ الوزنُ والتقسيمُ منكسر؟

للهم هبني من البديع أجمله
في بُردةٍ زينتاها الوشْيُ والحِبَر

للهم شنفْ لها الأسماعَ عن رغبٍ
حتى تُوَصلَ ما في القلب يستتر

للهم واشحذ لها العقولَ واعية
حتى تفيء إلى ما فيه مُزدجَر

للهم وافتح لها قلوب من قرأوا
فلا يكونُ بها لؤمٌ ولا دَبَر

للهم وانفعْ بها نفعاً أفوز به
بالأجر إني إلى الثواب مفتقر

أهدي إليك (أبا حفص) تحيتنا
بالشعر ذر شذاها الوَردُ والزهَر

إما التمست بها شيئاً تُسَرُ به
فبعضُ علمِك بالقريض يا عمر

أو قد وجدت بها شيئاً تضيقُ به
ذرعاً فإني عن الأخطاء أعتذر

نسجتها بُردة قربى لخالقنا
وعنده وحده الثوابُ والأجُر

أهديكها بأريج الشعر عاطرة
وعطرُها في ذرى الآفاق ينتشر

الآنَ عُدتُ إلى التاريخ يُخبرني
عن قصةٍ نصها في السِفر مستَطر

أريدها منه إما شاء صافية
بلا رُتوش بها اليقينُ ينتحر

عن فارس ضربٍ في جاهليته
فلم يزرْ قلبَه ضعفٌ ولا خَوَر

فمن (قريش) ، وذا أصلٌ يدل به
ونسبة في ديار العُرب تزدهر

ومن بني (يعرُب) وطابَ سُؤدَدُهم
ومن (عَدِي) ، وهذا مَحْتِدٌ نضر

قبيلتان هما عز لمنتسب
عدي شمسٌ ، وذي (قريشنا) قمر

أما أبوه هو (الخطابُ) شِدته
قد خلفتْ (عمراً) للحق ينتصر

والأم (حنتمة) طابت أصالتُها
وفي قبيلتها دهاقنٌ غرر

حاز السفارة قبل البعثة انتعشتْ
سفيرُ حرب وسِلم مِثله ندروا

وكان يؤذي عِباد الله صبحَ مسا
أصحابَ (أحمدَ) من غابوا ومن حضروا

كَفّاه: كفٌ بها الحسامُ مرتصداً
قوماً بإيمانهم والسِلم ما جهروا

وثم كفٌ بها كأسٌ معتقة
من الشَمول بها يُغردُ السَكَر

وقد يبدل بالحسام سوط أذىً
إن كلّ أو ملّ أو أصابه الضجر

وأم (خلادَ) لا تُنسى حكايتُها
إذ انتوتْ هجرة لمّا طغى الضرر

فرتْ بزوج وإبن عن ديار أذىً
كما يفر من الأوابد البشر

ومن يُطِقْ محناً صُبتْ على عُزُل
ورغم ذلك بالقتال ما أمِروا؟

وأم (خلادَ) في الصحراء خائفة
والركْبُ مما يُعاني خائفٌ حذِر

وفجأة أبصرتْ بعينها عمراً
هل أخطأت يا تُرى؟ أم أخطأ النظر؟

حتى إذا جاءها تماسكتْ وأبتْ
إلا مواجهة ، وهنا هنا وزر؟

فقال: راحلة عن دار عِترتها
عفواً إلى أين؟ ما الدعي؟ وما الخبر؟

قالت: نفر بدين الله نهجرُكم
إذ مسّنا الضر والإيلامُ والكدر

الأهلُ هل فعلوا ما تفعلون بنا؟
جئني بواقعةٍ ، ودونك السير

القهرُ والنهرُ والتعذيبُ أمثلة
وحاسب الله أقواماً بنا غدروا

فقال: في صحبة المهيمن انطلقي
على إعانتكِ المليكُ مقتدر

فرق قلبُ التي كانت تحاذره
وعقلها من صدى التفكير منبهر

فقاطعَ ابنٌ لها شرودَ خاطرها
مستبعداً رؤية إليه تبتدر

وقال: هل لك في إسلامه طمعٌ
قالت: أظن وربي يهتدي عمر

فقال: لا يُسلمُ الذي ذكرتِ لنا
إلا إذا أسلمتِ من قبله الحُمُر

لقد عجبتُ من الأقوام نظرتُهم
إلى الأمور خبتْ ، فما بها بُشُر

وذات يوم رأى رأياً وقرره
ما ردهُ وجلٌ عنهُ ولا حذر

أراد قتلَ رسول الله في ملأ
من التقاة الألى بأمره ائتمَروا

تقلد السيف سعياً في مهمته
حتى يزول بما يسعى له الخطر

في عقده الثالث الهمامُ أسلمَ إذ
أمسى الفؤادُ بآي الذكر يدكر

ما انفك يسمعها بحيدةٍ جلبتْ
له التفكرَ حتى بات يفتكر

ما أجملَ الذكرَ إن تلاه أحمدُنا
وفي الصلاة يكون الوعظ والعِبَر

يحَبّرُ الآيَ تحبيراً يبينها
لمنصتٍ طيبٍ تفيدُه النذر

وأسندَ الظهر للجدار في شغفٍ
والعقلُ يُدرك ما يهوى وما يَذر

وأرهفَ السمع حتى يستعينُ به
والأذن لا عُجرٌ فيها ولا بُجَر

فقال: هذا الذي يتلو فشاعرُهم
يقول شعراً وفي إلقائه صور

فإذ بأحمدَ ينفي الشعرَ ، يقرأها
نصوص وحي بها الإيمانُ مدّخر

فقال: هذا الذي يتلو فكاهنهم
ويدعي علمَ ما في الغيب يُستطر

فإذ بأحمدَ ينفي ليس كاهنَهم
وواحدٌ عالمٌ بالغيب مقتدر

فأسلمَ الفارسُ المغوار مقتنعاً
بما حوته من الآيات ذي السور

وكان إسلامُه عِزاً وتكرمة
إذ أطفئتْ فتنة تغلي وتستعر

والمسلمون به قويتْ شكيمتُهم
والدينُ عز وجاء النصرُ والظفر

وبالجنان نبي الله بشره
نعمَ البشارة فيها النص مبتشر

ونصفَ ألف حديثٍ قد روى عمرٌ
وبعدُ خمسون في أسفارنا أخر

وأول الناس بالهُدى مجاهرة
ولم يخفْ بأسَ من بربهم كفروا

وعندما علموا مدوا أياديَهم
ضرباً ، ولم يرحموا كأنهم غجر

فصدهم (عمرٌ) بلا مهادنةٍ
لكنهم غلبوا ، لأنهم كُثُر

وخاله جاء بالجوار ينقذه
من العُتاة الألى في ضربهم فجروا

وبعد مرحلةٍ حل الجوارَ أبو
حفص ، ودافع مَن لدينهم ثأروا

وعندما قرر (الفاروقُ) هجرته
فرداً تعمد لم تضمه زمَر

وساق للناس تهديداتِ مرتحل
يعي مراميَها الأكياسُ والبُدُر

من رامَ أماً له بأن تُثاكلهُ
ودمعُها من لظى المأساة ينهمر

أو رامَ للوُلد يتماً بعد عائلهم
حتى يُسربل بالمصيبة الصِغر

أو رامَ زوجته بالكاد أرملة
يهدها بالمصاب العجز والكِبَر

فليلقني خلف وادي الموت مدرعاً
والسيفُ في يده ، أنا سأنتظر

فما أتى أحد لكي يُبارزه
فعاد منتصراً من فوره عمر

خاض المشاهدَ و(المختارُ) قائدُها
ولم يكن من سُعار الحرب ينزجر

رأى النبي له الرؤيا محققة
في جنة الله قد جاءت بها السِيَر

في جنة الخلد جنب القصر سيدة
كانت توضأ ، وصحيحٌ الأثر

فقال: من صاحبُ القصر الذي نظرتْ
عيني فقالوا بلا ترددٍ: عمر

وزاد: وليتُ إذ ذكرتُ غيرته
والمرءُ إن لم يغرْ فالقلبُ محتضر

وللشياطين خوفٌ من لقا عمرٍ
كرامة أن يرى جموعَهم ذعرا

إما سلكت فِجاجاً غادروا فرقاً
ومن مخافتك الرحمنَ هم نفروا

لقبت بالملهم المحدث انطلقتْ
موافقاتُك إذ أقر مقتدر

وجاء نصٌ بما نطقت مقترحاً
والآي قد ضمنتْ نصوصَها السور

سُميت من بعدها (الفاروقَ) تسمية
على عذوبتها الفرقانُ يُقتصر

وبالسلام أتى (الروح الأمينُ) على
محَدّثٍ مُلهم سلامُه عطِر

(بالعبقري) كذا سمّاك (أحمدُنا)
عند (البخاري) صح المتن والخبر

في عهدك انتشر الإسلامُ دولته
البحرُ حدٌ لها ، والآخرُ النهَر

وللفتوحات نهضٌ في خِلافتكم
ومثله الأرضُ لم تشهدْ ولا العُصُر

وجُعت في سنة (الرمادة) ابتُليتْ
بها الرعية ، مات الزرعُ والشجر

وقرقرتْ بطنُك التي جُبرتْ
على الزيوت طعاماً ، حيث لا ثمر

وليس لحمٌ ، ولا دهنٌ ، ولا حلبٌ
حتى النخيلُ اشتكتْ فما بها تُمُر

فقلت: يا بطنُ لا تُقرقري أبداً
لن تطعمي اللحمَ حتى يشبعَ البَشَر

وقيلَ في وجهك الخطان قد رُسما
من البكاء بعين دمعُها حَدِر

زهدت دنياك لم تغررْك زينتُها
وباء بالخير من دنياهُ يحتقر

فرضت في عهدك الفروضَ قائمة
وعامِلوك لما فرضته نُذِروا

دونت بعدُ الدواوين التي بُنيتْ
ونِعمتِ البنية الشمّاءُ والفِكَر

وفي (المدائن) صلى (سعدُ) جمعته
إيوانُ كسرى لهذا الفتح منتظر

وفي (جلولاءَ) كم (يزدجردُ) رأى
من البطولات يُزجيها من انتصروا

وكنت أجليت هوداً عن معاقلهم
في (خيبر) ثم في (نجران) إذ غدروا

ثم اتخذت لبيت المال ضاحية
من الديار به الأموال تُدخر

وبعدُ هجّرت تاريخاً لأمتنا
كنا إلى ذلك التاريخ نفتقر

وإن معركة (اليرموك) شاهدة
على مواجهةٍ سعى لها الظفر

و(القادسية) يا(فاروق) ماثلة
نصبَ العيون يرى فرسانَها البصر

عسستْ بالليل والأنامُ قد هجعوا
حتى تُعاين ما فيه الورى عثروا

رعية في هزيع الليل قد رقدتْ
أما الرعاة على أحوالها سهروا

ثم اتجهت إلى القريض تضبطه
على هُدى الشرع لا فوضى ولا ختر

قصصت ألسنة الهجاء يطلقه
قومٌ من الناس في أشعارهم سخروا

وقلت: من يهجُ فاللسانُ أقطعه
ولا عقاب لمن هجاءهم هجروا

وكنت أولَ من حمل الطعامَ إلى
مصرٍ ، وقد فتحتْ ، فباركتْ أسَر

وكنت أولَ من بدِرة أخذ ال
حقوقَ غاصبُها مستكبرٌ أشِر

وكنت أول من أمصاره مُصّرتْ
وكل مصرٍ بكل الدار منصهر

وأنت أولُ مَن (دار الدقيق) بنى
وللسَويق بها ركنٌ له سُتُر

وللزبيب وتمر النخل منتجعٌ
وليس في هذه الطعوم ينحصر

بل للغِلال كذا صوامعٌ بُنِيتْ
حتى يُؤمَنَ خبزُ القوم والثمر

وإذ فعلت فقد أسديت واجبَهم
وهكذا الحكمُ تكليفٌ له أطر

والمسؤولية فحواهُ وجوهرهُ
يَزيدُه قوة خميسُه الدثِر

وقال صاحبُ كسرى قولة بقيتْ
تُلخصُ السيرة العصما وتختصر

حكمت بالعدل حتى نلت أمنهمُ
فنمت في دَعَةٍ يُظلك الشجر

مَن يظلم الناس لم يأمن مكائدَهم
وليس مِن ثأرهم يوماً له وَزر

وبالدعاء لكم ختامُ بُردتنا
تقبل الله منك السعي يا عمر

لك اعتذاري إذا ما كان من غلطٍ
وإن أصبتُ فساق النُجْحَ مقتدر

ولي سؤالٌ أنا إياك سائله
على سِوى (عمرٍ) جوابُه وَعِر

هل بُردتي وُفقتْ فيما له نُظِمت؟
هل أدبتْ غجراً قبورَهم حفروا؟

على الصحابة هم أسود غابتهم
وهم على من طغى بكفره هِرَر

فداك أمي أيا (فاروقنا) وأبي
ما عم أرضَ الدنا بخيره المطر

رضوانُ ربي على (الفاروق) ما غربتْ
شمسٌ على كوننا وأومَض القمر

© 2022 - موقع الشعر