إعتناق - فريد مرازقة القيسي

اعتِناق...
 
قُلْ للْأَوَانِي الَّتِي تَختالُ عَازِفَةً
مَهْمَا عَلا شَأنُهَا حَتْمًا سَتَحْتَرِقُ
 
إنَّ الحَقِيقَةَ كَالنِّيرانِ ألسُنُهَا
تَشْوِي وَ لَكِنَّهَا كَالدِّينِ تُعْتَنَقُ
 
مَا الشَّمسُ تخفَى عَلَى عَيْنٍ إذَا بَزَغَتْ
فَالكَوْنُ يعرِفُهَا وَالغَيْمُ وَالشَّفَقُ
 
لَا لَنْ تُدَثِّرَهَا بِالزُّورِ أَخْيِلَةٌ
فَلَيسَ يَنقُصُهَا نُورٌ وَ لا أَلَقُ
 
مَا الحَقُّ حُسْنُ حُرُوفٍ أَوْ صَدَى كَلِمٍ
أَوْ جُمْلَةٌ نُظِمَتْ فِي نُطْقِهَا نَسَقُ
 
كَمْ مِنْ فَصِيحٍ بَدَا للْقَوْمِ قَائِدَهُمْ
وَ لَيْسَ مِنْ قَبْضَةِ الأَوْهَامِ يَنْعَتِقُ
 
تَرَاهُ حينَ جِدَالٍ مُبْرِزًا حِكَمًا
كَأنَّهُ ثابِتٌ وَالكُلُّ مُنْزَلِقُ
 
وَحينَ حَوْجٍ تَرَى أقوالَهُ نُفِيَتْ
لَعَلَّهُ فِي طَريقِ الجَاهِ يَنْطَلِقُ
 
"إنَّ الصَّدَى بِزَوَالِ الصَّوْتِ مُنْخَفِضٌ"
هذَا المِثالُ عَلَى الجُدرانِ يَنْطَبِقُ
 
يَبْقى الصَّدَى لاحِقًا وَالصَّوْتُ سَابِقهُ
وَالكَوْنُ يَعْرِفُ مَنْ أصواتَهُمْ سَبقُوا
 
يظَلُّ يَبْحَثُ عَنْهُمْ بيْنَ أنجُمِهِ
لَكِنْ يَرى أبدًا مَنْ نُورَهُمْ سَرقُوا
 
مَا فادَهُ كَوْكَبٌ حينَ السُّؤالِ وَ لَا
أَجَابَهُ قَمَرٌ بِالحُسْنِ لَا يَثِقُ
 
قَوْلُ الحَقِيقَةِ كَالإبْحَارِ حينَ أسًى
بِبَحْرِ مَكْربَةٍ مَا زَارَهُ فَلَقُ
 
عُبَابُهُ كَجوادٍ لَا يُرَوِّضُهُ
إلَّا الذِّي قَلْبُهُ مَا انتابَهُ قَلَقُ
 
يحْيَا علَى أمَلٍ وَ اللَّهُ يَحفَظُهُ
وَ ليسَ يُرْعِبُهُ فِي فُلْكِهِ الغَرَقُ
 
بِعَيْنِهِ عَبْرَةٌ وَالفَخْرُ حَابِسُهَا
حَتَّى وَ لَوْ فَوقَ صَخْرٍ رَأسَهُ طَرَقُوا
 
قُلْ للَّذِينَ رأوا في الشِّعْرِ رِفْعَتَهُمْ
مَا الشِّعْرُ مَرْتَبَةٌ بلْ كُلُّهُ أَرَقُ
 
يَبِيتُ شَاعِرُهُ فِي الحُزْنِ مُعْتَكِفًا
أمامهُ نفَقٌ مَا مِثْلُهُ نَفَقُ
 
حَتَّى وَ لَوْ صَدَقَتْ أبْيَاتُ حُرْقَتِهِ
يبقَى كَذُوبًا وَكُلُّ الخَلْقِ قَدْ صَدَقُوا
 
يَمْضِي وَ لَا خِلَّ بَينَ الناسِ يَذْكُرُهُ
إلَّا إذا قَوْمُهُ مِنْ نَظْمِهِ ارتَزَقُوا
 
يُنْسَى كأنْ لَمْ يَكُنْ فِي بُرْجِهِ مَلِكًا
إذْ لَا معَ الكَوْنِ كَانَ الفَحْلُ يَتَّفِقُ
 
سَيَنْقَضِي عُمْرُهُ في سِجنِ وحدَتِهِ
وَ حينَ إقْبَارِهِ الأنوارُ تنبَثقُ
 
عِشْ...لَا تَكُنْ شَاعِرًا فَالشِّعْرُ مَقْبَرَةٌ
وَ كُلُّ سُكَّانِهَا بِالحَقِّ قد نَطَقُوا
 
إنَّ القصيدَةَ جُرْمٌ فِي مرابِعِنَا
وَ بَابُهَا مُوصَدٌ، صَلْبٌ وَمُنغَلِقُ
 
 
فريد مرازقة
© 2024 - موقع الشعر