طائرة ورقية - عائشة المؤدب

طائرة ورقية
 
بين رائحة القلق وشعاع لامبالاة عنيدة كانت "ذات الخواطر البريّة" تنام كلّ ليلة على بساط من حلم
تكتب في حلمها سؤالا يبدأ دائما بطائرة ورقيّة
تستلقي على طفولتها الشاسعة ترشق السّماء بألوان فضفاضة ثم تشطبها برحابة ردائها المعشوشب
تعوّدت أن ترافق الشمس إلى مخدعها تسوّي تناثر الأشعّة على جبينها
ثمّ تعود على متن المساء المرتجف، يتلقّف الطريق إيقاع خطواتها وتبتسم حجارة البيت راقصة عودتها لتكنس بثوبها الواسع عراء المكان
تعوّدت أن تقفز على خواطرها البريّة وهي تستعيد، بِوابل من طيور ثرثارة، فكرة أدهشت براءتها فانطلقت كالريح تبعثر لعبها ورديّة الظلال
البارحة كان الحلم أكبر من طفولتها، حتّى أنّها لم تجد فيها متّسعا لسؤالها الذي يبدأ دائما بطائرة ورقيّة، لم تقدر ، وهي تغالب هلع المقام، أن تعُدّ النجوم الجديدة الصاهلة نحو القمر الحالك ، لم تقدر أن تقتفي شهبا كانت تحصيها وهي تدخل الليل والباب الموصد خلفها لا يترك ممرّا للفراشة
البارحة كان الألم أصغر من طفولتها والليل المباغت يخلع عنها جسدها البالي يعطّر به دمها المتبخّر
رأيناها جميعا، تلبس فستانا على مقاسها تماما وتضحك وهي تذكر أشياءها لكنّنها على غير عادتها بلّلت ضحكتها بشهقة واخزة رشقتها في الأرض ثمّ ابتلعها الفراغ...
كأعشاب طفيليّة خرج الصباح متعثرا بسبابتها المنتصبة على السقف الممدّد
واستمرّت تقاسيم الهواء تلوك رائحة دمها المكوّر في حلق الوقت
زاد صوت الشجر المشهدَ موتا لمّا تشبّثت أوراقه بلون عينيها المندلق على فتات صمود الجدران، تسدّ مسامّ الطريق
رغم العماء،كان يجب أن نبتلع اتّساع الضياع الّذي سكن فينا بغتة ونملأ من وجع التراب رذاذ صورتها المتلبّسة بالمكان
لم تنزعج كثيرا ونحن نضع بدل القلب بابا، ونزرع في مكان الضفيرة سحبا تزغرد، ولمّا لم نعثر على عينها اليسرى استعرنا شبّاك البيت الذي كان يطلّ على شرفة مازالت تحتفظ بلونها الزهريّ وشغف رشقات حصى العشق الحييّ
لم تنزعج أيضا لمّا رتقنا شفتها السفلى بخيط سجاد غرفتها، ستؤنسها حتما بقع أصوات إخوتها عليه وهي تصفّفهم لتنال منهم واحدا بعد الآخر نصيبها من تحيّة الوداع
لكنّنا لمّا انتهينا من تعداد موتانا رأينا جميعا جنازة واحدة تشيّعها طائرة ورقيّة...
عائشة المؤدب /تونس
© 2024 - موقع الشعر