لِكُلِّ امرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا - أبو الطيب المتنبي

لِكُلِّ امرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا "
" وَعادَتُ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنُ في العِدا

وَأَن يُكذِبَ الإِرجافَ عَنهُ بِضِدِّهِ "
" وَيُمسي بِما تَنوي أَعاديهِ أَسعَدا

وَرُبَّ مُريدٍ ضَرَّهُ ضَرَّ نَفسَهُ "
" وَهادٍ إِلَيهِ الجَيشَ أَهدى وَما هَدى

وَمُستَكبِرٍ لَم يَعرِفِ اللهَ ساعَةً "
" رَأى سَيفَهُ في كَفِّهِ فَتَشَهَّدا

هُوَ البَحرُ غُص فيهِ إِذا كانَ راكدًا "
" عَلى الدُرِّ وَاحذَرهُ إِذا كانَ مُزبِدا

فَإِنّي رَأَيتُ البَحرَ يَعثُرُ بِالفَتى "
" وَهَذا الَّذي يَأتي الفَتى مُتَعَمِّدا

تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ "
" تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

وَتُحيِي لَهُ المالَ الصَوارِمُ وَالقَنا "
" وَيَقتُلُ ما يُحيِي التَبَسُّمُ وَالجَدا

ذَكيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَينِهِ "
" يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا

وَصولٌ إِلى المُستَصعَباتِ بِخَيلِهِ "
" فَلَو كانَ قَرنُ الشَمسِ ماءً لَأَورَدا

لِذَلِكَ سَمّى ابنُ الدُمُستُقِ يَومَهُ "
" مَماتًا وَسَمّاهُ الدُمُستُقُ مَولِدا

سَرَيتَ إِلى جَيحانَ مِن أَرضِ آمِدٍ "
" ثَلاثًا لَقَد أَدناكَ رَكضٌ وَأَبعَدا

فَوَلّى وَأَعطاكَ ابنَهُ وَجُيوشَهُ "
" جَميعًا وَلَم يُعطِ الجَميعَ لِيُحمَدا

عَرَضتَ لَهُ دونَ الحَياةِ وَطَرفِهِ "
" وَأَبصَرَ سَيفَ اللهِ مِنكَ مُجَرَّدا

وَما طَلَبَت زُرقُ الأَسِنَّةِ غَيرَهُ "
" وَلَكِنَّ قُسطَنطينَ كانَ لَهُ الفِدا

فَأَصبَحَ يَجتابُ المُسوحَ مَخافَةً "
" وَقَد كانَ يَجتابُ الدِلاصَ المُسَرَّدا

وَيَمشي بِهِ العُكّازُ في الدَيرِ تائِبًا "
" وَما كانَ يَرضى مَشيَ أَشقَرَ أَجرَدا

وَما تابَ حَتّى غادَرَ الكَرُّ وَجهَهُ "
" جَريحًا وَخَلّى جَفنَهُ النَقعُ أَرمَدا

فَلَو كانَ يُنجي مِن عَليٍّ تَرَهُّبٌ "
" تَرَهَّبَتِ الأَملاكُ مَثنى وَمَوحِدا

وَكُلُّ امرِئٍ في الشَرقِ وَالغَربِ بَعدَها "
" يُعِدُّ لَهُ ثَوبًا مِنَ الشَعرِ أَسوَدا

هَنيئًا لَكَ العيدُ الَّذي أَنتَ عيدُهُ "
" وَعيدٌ لِمَن سَمّى وَضَحّى وَعَيَّدا

وَلا زالَتِ الأَعيادُ لُبسَكَ بَعدَهُ "
" تُسَلِّمُ مَخروقًا وَتُعطي مُجَدَّدا

فَذا اليَومُ في الأَيّامِ مِثلُكَ في الوَرى "
" كَما كُنتَ فيهِم أَوحَدًا كانَ أَوحَدَ

هُوَ الجَدُّ حَتّى تَفضُلَ العَينُ أُختَها "
" وَحَتّى يَصيرَ اليَومُ لِليَومِ سَيِّدا

فَيا عَجَبًا مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ "
" أَما يَتَوَقّى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازًا لِصَيدِهِ "
" يُصَيِّرُهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ "
" وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ "
" وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ "
" وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

وَوَضعُ النَدى في مَوضِعِ السَيفِ بِالعُلا "
" مُضِرٌّ كَوَضعِ السَيفِ في مَوضِعِ النَدى

وَلَكِن تَفوقُ الناسَ رَأيًا وَحِكمَةً "
" كَما فُقتَهُم حالًا وَنَفسًا وَمَحتِدا

يَدِقُّ عَلى الأَفكارِ ما أَنتَ فاعِلٌ "
" فَيُترَكُ ما يَخفى وَيُؤخَذُ ما بَدا

أَزِل حَسَدَ الحُسّادِ عَنّي بِكَبتِهِمْ "
" فَأَنتَ الَّذي صَيَّرتَهُمْ لِيَ حُسَّدا

إِذا شَدَّ زَندي حُسنُ رَأيِكَ فيهِمِ "
" ضَرَبتُ بِنَصْلٍ يَقطَعُ الهامَ مُغمَدا

وَما أَنا إِلّا سَمهَرِيٌّ حَمَلتَهُ "
" فَزَيَّنَ مَعروضًا وَراعَ مُسَدَّدا

وَما الدَهرُ إِلّا مِن رُواةِ قَلائِدي "
" إِذا قُلتُ شِعرًا أَصبَحَ الدَهرُ مُنشِدًا

فَسارَ بِهِ مَن لا يَسيرُ مُشَمِّرا "
" وَغَنّى بِهِ مَن لا يُغَنّي مُغَرِّدا

أَجِزني إِذا أُنشِدتَ شِعرًا فَإِنَّما "
" بِشِعري أَتاكَ المادِحونَ مُرَدَّدا

وَدَع كُلَّ صَوتٍ غَيرَ صَوتي فَإِنَّني "
" أَنا الصائِحُ المَحكِيُّ وَالآخَرُ الصَدى

تَرَكتُ السُرى خَلفي لِمَن قَلَّ مالُهُ "
" وَأَنعَلتُ أَفراسي بِنُعماكَ عَسجَدا

وَقَيَّدتُ نَفسي في ذَراكَ مَحَبَّةً "
" وَمَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيدًا تَقَيَّدا

إِذا سَأَلَ الإِنسانُ أَيّامَهُ الغِنى "
" وَكُنتَ عَلى بُعدٍ جَعَلنَكَ مَوعِدا

تعليقات الزوار

  • كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الشعر.
  • التعليقات المنشورة غير متابعة من قبل الإدارة. للتواصل معنا اضغط هنا.
© 2021 - موقع الشعر