واعزتاه - أحمد علي سليمان

الدَّارُ أين بسَمْتِها المِضيافِ
في واحةٍ كالرَّوضة المِئنافِ؟

كانت تُدَاعبُها الحُقولُ تكلفاً
والماءُ مِثْلُ الوابل الغرَّاف

والترعَة القِبلية احْتفلتْ بنا
وشواطئٌ مُخْضَرَّة الأكناف

والجَزورينُ يَحُوطها بظِلاله
وقد احْتفتْ بنسائم الصفصاف

إذ عُدْتُ أمسَتْ عِشة لدَواجن
وعَلا نوافذها الترابُ السَّافي

وأمامَها نشَرَ القضِيضُ تِلالهُ
بحِجارةٍ في حَوشها ، ولِخاف

ودَجاجُها غمَرَ الرُّبوعَ قذارة
وله قوادِمٌ دُنسَتْ وخوافي

أوَلمْ تكُنْ داراً يُهابُ جَنابُها
وإباؤها ذا سُؤدَدٍ وطِراف؟

وبَنيتُها داراً لتُؤويَ (عَزتي)
وبرغم فقر مُدقع متُجافي

كيف اسْتُبيحتْ ، واستحِلَّ صِيانُها
لتغوصَ في دِمن هناك عوافي؟

أيكونُ مَن خفرَ الجوارَ مُوَقراً؟
أيُعَدُّ مُحترماً مِن الأشراف؟

واليومَ من هذا الوجود تبَخرَتْ
والأمرُ ليس على المَلا بالخافي

أنا غيرُ ذي أهل ليَحموا دارتي
مِن يوم أنْ سمحوا بعيش كفاف

ليُزوِّجوا غيري بأبْهظ كُلفةٍ
فجهازه في غاية الإتحاف

لو أن أهلي هدَّموا بُنيانها
قامت قِيامتُهم بكل تجافي

كِلتُم بمِكيالين ، هذا دأبُكم
شتان بين الجَوْر والإنصاف

وغدَتْ بلا طلل يُذكِّرنا بها
ويُعيدُ ما قد كان يوم زفافي

أوَهكذا رَدُّ الجميل لمحسن
جَرعتُموه مرارة الإجحاف؟

هل هذه شِيَمُ الكِرام لجيرةٍ
جَلى شرائطها المليكُ الكافي؟

جارٌ ، وأصهارٌ له جيرانُه
مازالَ يُحسِنُ وصلهم ، ويُوافي

أصدرتُمُ حكماً عليَّ ، ونصُّه
ماض بلا نقض ولا استئناف

عني سيسألكم جميعاً ربُّكم
لا تحلموا بتسامح وتصافي

أما مَلفُ حَليلتي فمُحيِّرٌ
وعليه شاماتُ ارتياب ضافي

أحببتُها – واللهِ – حُباً صادقاً
ومُباركاً ومُحددَ الأهداف

وكتبْتُ عنها الشِّعرَ حياً نابضاً
مُتجملَ الأبيات والأوصاف

نضِرَ العَروض ، فنصُّه مُترَنمٌ
مُتلألِئٌ كنضارة الأصداف

عَذبَ القوافي لم يَشُبْهُ تكَلفٌ
وخلا مِن الإكفاء والإصراف

ونقشْتُ دِيواناً يُزخرفه اسْمُها
أبياتُه هي خمسة الآلاف

واخترتُها زوجاً تُعِينُ على الهُدى
وبَذلتُ مِن ودِّي ومِن إيلافي

وطرحتُ شرطي واسْتمعتُ لشرطها
والقومُ بين مُصَدِّق ومُنافي

لمَّا أكُنْ فظاً ، ولم أكُ جافياً
بل سُقتُ ما في القلب باستلطاف

لمَّا أكُن خِباً ، ولم أكُ غامضاً
حتى كلامي كان مِثْلَ هتاف

لمَّا أكُن غِراً ليَخدعَني الورى
لمَّا أصِلْ يوماً على الأكتاف

كم كنتُ أنشُدُ في الزواج سعادة
مَغمورة بروائح الألطاف

كم عنكِ جادلتُ الأقاربَ كلهم
بلظى كُليماتٍ هناك عجاف

كم فيكِ جاهدتُ الورى متهكماً
بمن اسْتخف بنبرة استظراف

كم فيكِ جابهتُ اللواعجَ والأسى
وعلى جبيني ذقتُ صفع خِفاف

كم عِشتُ أحمِل عِبء زوج أهملتْ
في حق زوج طيِّب مستاف

كم عشتُ أرجو رُشْدَها ورشادَها
مُتحملاً ما جَرَّ سُوءُ خِلاف

حذرْتُ مِن جهل يُجَرِّعُنا اليلا
وخصَصْتُ ما يأتي مِن الأعراف

بئسَ التقاليدُ التي قد خالفتْ
شرعاً سَما عن عيشة الأجلاف

وشرَطتُ طرحَ الجاهلية جانباً
وشفعتُ شَرطي بالدَّليل الوافي

فرأيتُ (عَزة) تسْتهينُ بما أرى
وتُقابلُ الرُّجْحانَ بالإرجاف

وطفِقتُ أجْهرُ يا(عَزيزة) ، أبصري
هل كان ما ألقي رَوِيَّ القافي؟

عُودي لسالف عهدنا ، وتذكري
قرآننا ، ودَعي السُّلوكَ الجافي

وتدَبري آيَ الكتاب لتفقهي
ما جاءنا في سُورة (الأحقاف)

وتأملي التوحيدَ قد صَدَحَتْ به
تهدي العوابد سُورة (الأعراف)

تُوبي ، لعلَّ اللهَ يُصْلِحُ شأننا
ويُزيلُ بلوانا الإلهُ الشافي

لو أنني أهوَى الجمالَ بلا هُدى
لاخترتُ حَسنا تحتفِي بعَفاف

وأبوكِ شاهدَها ، وعاينَ حُسنها
سبحان مَن يهدي الورى ويُعافي

ما كنتُ قيْساً يَصطلِي بغرامها
ليَفوز مِن ليلاه ُبالإلحاف

ما كان أيسَرَ مِن تمادي عاشق
في سِكة السَّكَرات والألطاف

لو أنني وافقتُها وأطعتُها
لوقعتُ في بُحبوحة الإسفاف

ولعشتُ بالإسراف يَخفضُ هامتي
ما قيمة الإنسان بالإسراف؟

واليومَ بينكما كبيرُ تشابُهٍ
بئسَ السَّواءُ وبئس شَرُّ تكافي

هيَ تشهدُ الأعراسَ جاهرِ أهلها
بالفسق في نزق وفي اسْتظراف

هي تكشِفُ الكفين ، تُغري مَن يَرى
وتسُرُّ كلَّ مُتيَّم شَوَّاف

هي تكشِفُ القدَمين تسْحَرُ ناظراً
وتقولُ للصَّبِّ الخليع (عَوافي)

هي تلبَسُ الشَّفافَ بين ضُيوفها
حتى تُمَتعَ زمرة الأضياف

ولقد تزيدُ المُعجبينَ تولهاً
إمَّا بدَتْ في البيت بالأفواف

وخروجُها مِن بيتها مُتيسِرٌ
وبدون إذن مِن حليل غافي

ولقد تُسافرُ دون مَحرمها الذي
يَحمي سلامتها كمثْل غداف

هيَ تنصُرُ الأهلينَ تسْتقوي بهم
إنْ خيَّمتْ إرهاصة الأحلاف

وتعيشُ رَهنَ الجاهلية ، شأنها
شأن السواقط في دنا الأجلاف

في بيتها ألفا قناةٍ أشْهرتْ
لهُدى الإله الصَّدَّ بالأسياف

في بيتها (نِتٌ) يُصَدِّرُ فِتنة
ويَكِيلُ للأبناء بالأضعاف

كانت أمامي لو أردت زواجها
أقنعتُ مَن جافى مِن الأطراف

نبني معاً صرحَ الحياة ، ونجتني
ثمراتِ حبٍّ مِن عَميق شِغاف

ما الفرق بينكما؟ أجيبي ، واصدُقي
أحْرِ الجَوابَ مُضَمَّخَ الإنصاف

لكنَّ فرقاً لا أبوحُ بذِكره
وإذا تعللنا به سأوافي

أسفِي على ماض غدا أضحوكة
والذكرياتُ به نقيعُ ذعاف

أصبحْتِ مثلَ الدار زال بناؤها
وقرىً حواليها انزوَتْ وفيافي

يا ليتني أصغيتُ للنصح الذي
بذل الرفاقُ بنزعة استعطاف

يا ليتني لم أسْتخِفَّ بوعظهم
سُحقاً لِمَا حَصَّلتُ باسْتخفافي

قالوا: تريَّثْ ، والتمِسْ أخت الهُدى
مَن تهتدي بهداية الأسلاف

وتوَدَّدُوا حتى أوافق رأيَهم
وتذرَّعوا بتصنع استعطاف

لكنني غلّبتُ رأيي والهوى
ما كنتُ عند النصِّ بالوَقاف

هل كان شيطانٌ يزخرفُ ما أرى؟
هل ما ارتأيتُ مَقولة العراف؟

هل ثَمَّ شَعوذة بُلِيتُ بفعلها؟
وقلوبُ صَحبي في البلاء هوافي

أنا كم نُصِحتُ ، فلم أفِقْ مِن غفوتي
قالوا: توقفْ شط بي إيقافي

وَقدُوا لي الأنوارَ شَعَّ بَريقها
فاخترتُ سَيْري في دُجى الإسداف

واليومَ أنصَحُ زوجتي ، لكنها
لا تستجيبُ ، فتنزوي أعطافي

هذا جزائي ربِّ فاغفرْ زلتي
ربِّ اكفني شرَّ البلا يا كافي

غلَّبتُ حبي ، لم أغلبْ حِكمتي
ثم انطلقتُ ، وخانني إيجافي

وأطعتُ عِشقي ، لم أحَكمْ شِرعتي
فضعفتُ ، حتى غالني استضعافي

واعَزتاهُ ، لقد مَضَتْ أيامُها
عاشتْ تُخادعُني بحُب صافي

إن التي أحببتُها ماتتْ ، فهل
عَودٌ لمَيِّتةٍ بأيِّ تعافي؟

هل تُسْعِفُ المَجنوز أدوية الدُّنا؟
ما حاجة المَوتى إلى الإسعاف؟

رَبَّاه عَوِّضني ، ودَاو مُصيبتي
واشْفِ الفؤادَ ، فأنت أنت الشافي!

مناسبة القصيدة

(أكتب هذه المعلقة التسعينية البائسة ، لأشير إلى أنه ينبغي على كل عروس صالحةٍ تقدَّم لها خطيبٌ مسلمٌ مؤمنٌ موحِّدٌ - ينشد من زواجها والارتباط بها حياة طيبة على منهج الله تعالى – أن تكون صادقة مع الله ومع نفسها ومع قومها ومع خطيبها! كما ينبغي على كل عريس صالح أن يركز جداً على الاختيار الصحيح للبيت وللأهل وللأب الراعي ولشخصية عروسه! ولا ينبغي أن يعمل بالحكمة القائلة بأن يرتبط بها صغيرة ، ثم يربيها على ما يريد بعد الزواج! فتلك قاعدة خادعة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قِبله العذاب! إذ لا بد من خميرةٍ إيمانيةٍ تربتْ عليها العروس في دار أبيها! فالفتاة التي ما أشربتِ الالتزام بالإسلام في بيت أبيها ، يَستحيل أن تشربه في بيت زوجها ، ولو كان صَحابياً ، لأن طبْعها الذي تربت عليه سيغلبها ، إلا أن يَهديها الله تعالى بهدايةٍ من عنده! أما (عزة) المشار إليها في عنوان القصيدة فزوجة غالطت نفسها وخدعت عريسها! حيث ادَّعت الالتزام بالشريعة كتاباً وسنة ، ثم تبين خلافُ ذلك بعد ثلاثة عقودٍ من زواجها! حيث عمدتْ إلى الترهل والتساهل؟! ونسأل: ما الذي حدث؟! هل تغيرت أحكام الدين؟! فما كان حراماً محظوراً بالأمس أصبح مباحاً اليوم؟! وهذا يحدث مخالفاً للعادة التي درجَ عليها الناسُ ، فشبَّ عليها الصغير وشابَ عليها الكبير! فالعبد كلما تقدمتْ به السن ازداد قرباً من ربه تعالى! فأرسل الشاعر لها هذه الصيحة الشعرية ، لعلها تُفيق من سَكرتها ، وتصلح من شأنها!)
© 2026 - موقع الشعر