أبو إسحق حكيم زمانه - أحمد علي سليمان

مُحَدِّثُنا المِغوارُ جَمُّ المحامِدِ
وقامتْ على هذا مئاتُ الشواهدِ

له صَولة في الحق بانتْ رُسومُها
فلا ترعوي يوماً لأعتى الشدائد

وسَطر أسفاراً تفرَّدَ عِلمها
تُنيرُ دُجى الآفاق مِثل الفراقد

وكم نافحَ النبراسُ عن نور سُنةٍ
لينشرها بعد اكتمال الفوائد

وكم أظهرَ المقدامُ أرجى شجاعة
فإن الثبات المَحض سَمْتُ الأماجد

وكم جاهدَ الأستاذ في دَحض بدعةٍ
فكان بهذا البذل خيرَ مجاهد

وكم صَدَّ عن دين الهُدى كلَّ مُعرض
ولاقى بسيف الحق تضليلَ جاحد

وألقمَ أهلَ السُّوء أحجارَ حقه
ولم يُثنه عن ذاك حجمُ المكايد

أعاد لنا ذكرى (ابن حنبلَ) صامداً
تهونُ الغوالي في سبيل العقائد

وضحَّى بنفس بعد أهل تعبُّداً
ليُرسِيَ بعد البذل خيرَ القواعد

فداءُ (أبي إسحقَ) شِعرٌ وشاعرٌ
وبارك ربي في عظيم المقاصد

نقول لمن عادَوْهُ: موتوا بغيظكم
سيخذلُ ربُّ الناس أهلَ الحقائد

عجزتُم عن الإتيان بالعِلم ساقه
فكنتم لمن يَطغى حقيرَ سواعد

أكلتُم لحومَ الأبرياء شراهة
فلم تبلغوا بالكيد ظلَّ المحامد

سيبقى (أبو إسحقَ) أفضلَ عالم
وعِشتُ أرى في الشيخ أكرمَ والد

على ربنا لا لن نزكيَ خلقهُ
وتُطري (أبا إسحقَ) أحلى قصائدي

وإنَّ عزائي فيه أقواله التي
تشعُّ ضياءً يَجتبي كلَّ شارد

حكيمُ زمان لم تعُد فيه حكمة
وكم حكمةٍ غالتْ فظيعَ مَفاسد

عليه مِن المَولى شآبيبُ رحمةٍ
وثبَّت ربي بعدهُ كلَّ عابد!

مناسبة القصيدة

(حينما تلقيتُ نبأ وفاة محدّث العصر ، العلامة الشيخ أبو إسحق الحُويني - رحمه الله تعالى – شيخي وأستاذي وإمام الهدى وسيخ الحديث - طيب الله ثراه - ، اهتزتْ مشاعري وارتجفت عواطفي ، ونزل الخبر على قلبي كالصاعقة. فلم أتمالك نفسي أمام هذا الفقد الجلل ، وغلبتني عبراتي الفياضة ، فذرفتْ عيناي دموعاً حارّة صادقة ، تعبّر عن عمق المصاب وفداحة الخسارة لي وللأمة الإسلامية برحيل هذا الجبل الأشم من جبال العلم! فإن الأمة عندما تفقد عاماً يمكن لغيره أن يكون بديلاً عنه مصيبة عظيمة! ولكنها عندما تفقد محدثاً يترك مكانه فارغاً فهي مصيبة أعظم! وبعد أن استجمعت أنفاسي وسط مخاض الحزن واللوعة ، لهج لساني بالاسترجاع والدعاء المأثور ، مستسلماً لقضاء الله وقدره ، وقلتُ بنبرة يملؤها الشجن واليقين: "إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي ، وأخلفني خيراً منها"! ثم أتبعت ذلك بالثناء العاطر والكلمات الرقيقة البارّة ، التي تنبثق من قلب محبٍّ عرف للراحل قدره وفضله ، فدعوت له قائلاً: "رحمك الله رحمةً واسعةً ، وجزاك عن الإسلام والمسلمين خيراً كثيراً يا شيخي وأستاذي"!)
© 2026 - موقع الشعر