سَمَا شَجَرٌ وَسْطَ القَصِيمِ بِهِ الثَّمَرْ - عبدالرحمن الجربوع

سَمَا شَجَرٌ وَسْطَ القَصِيمِ بِهِ الثَّمَرْ
وَنَخْلٌ بِأَكْنَافِ الرَّوَابِي قَدِ انْتَشَرْ

فَيَا جَنَّةً حَاكَتْ بُرَيْدَةَ رِفْعَةً
بِهَا يَنْجَلِي هَمٌّ وَيَنْزَاحُ مَا كَدَرْ

وَفَوْحُ الخُزَامَى فِي الأَثِيرِ تَعِلَّةٌ
وَرَوْضٌ بِأَلْوَانِ الْوُرُودِ قَدِ ازْدَهَرْ

تَفَتَّقَ وَرْدٌ زَاهِرٌ فِي صَبَاحِهِ
يُبَاهِي بِمَا قَدْ زَانَ فِي أَجْمَلِ الصُّوَرْ

وَفِيهَا تُمُورٌ لِلسُّكَّرِيِّ نَفِيسَةٌ
مُفَتَّلَةُ الأَعْذَاقِ طَابَتْ لِمَنْ بَكَرْ

وَمَنْ ذَاقَ تَمْرَ "السُّكَّرِيِّ" بِأَرْضِهَا
نَسِي كُلَّ شَهْدٍ فِي الْبِلَادِ وَمَا ادَّخَرْ

تَمِيلُ عُذُوقُ الصُّفْرِ زَهْواً كَأَنَّهَا
ثُرَيَّاتُ نُورٍ حِينَ تَبْدُو لِمَنْ نَظَرْ

فَيَنْسَابُ نُورُ الشَّمْسِ فَوْقَ جَرِيدِهَا
خُيُوطَ لُجَيْنٍ صَاغَهَا الْفَنُّ وَانْبَهَرْ

وَيَصْحُو بَرِيقُ الطَّلِّ فَوْقَ غُصُونِهَا
كَأَصْدَافِ دُرٍّ عَانَقَتْ لَامِعَ الْقَطَرْ

يُغَرِّدُ فِيهَا الْبُلْبُلُ الْعَذْبُ صَوْتُهُ
فَيُطْرِبُ نَفْساً رَاقَهَا السَّعْدُ وَالظَّفَرْ

وَفِيهَا بِرَاكٌ قَدْ تَبَدَّتْ لِنَاظِرٍ
كَمِرْآةِ صَرْحٍ رَشَّهَا وَابِلُ الْمَطَرْ

تَرَى الْحَوْضَ لَمَّا فَاضَ بِالْمَاءِ صَافِياً
كَفِضَّةِ سَبْكٍ أُرْسِلَتْ فَوْقَ مُنْحَدَرْ

فَيَنْسَابُ فِي السَّاقِي وَقَدْ لَاحَ نُورُهُ
كَمِرْآةِ بِلَّوْرٍ جَلَا حُسْنَهَا الْبَصَرْ

تُقَبِّلُهُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُ
فَيَبْدُو شُعَاعاً بَيْنَ طَيَّاتِهِ انْكَسَرْ

قَرَاحٌ زُلَالٌ بَارِدٌ طَابَ شُرْبُهُ
يَرُدُّ لِعَطْشَانٍ حَيَاةً كَمَا النَّهَرْ

سَلَامٌ عَلَى مَاءٍ تَرَقْرَقَ صَفْوُهُ
أَلَذُّ مِنَ الشُّهْدِ الْمُصَفَّى إِذَا ابْتَدَرْ

فَيَا شَارِباً مِنْهُ تَمَهَّلْ فَإِنَّهُ
دَوَاءٌ لِقَلْبٍ نَالَهُ لَافِحُ الضَّرَرْ

تَخَالُ خَرِيرَ الْمَاءِ بَيْنَ جَدَاوِلٍ
لُحُوناً تُزِيحُ الْهَمَّ عَنْ كُلِّ مَنْ شَعَرْ

تَفِيءُ إِلَى جِذْعِ النَّخِيلِ فَتَرْتَوِي
بِأُنْسِ مَكَانٍ لَا يُبَاعُ بِمَا نَدَرْ

تَشَمُّ ثَرَى الأَرْضِ الَّتِي قَدْ تَبَلَّلَتْ
فَتَحْسَبُ مِسْكاً بَيْنَ جُدْرَانِهَا عَطَرْ

وَمَجْلِسِ صَحْبٍ فَوْقَ أَرْضٍ نَقِيَّةٍ
ظَلِيلٍ، بِهِ الْجُلَّاسُ صَفْوٌ بِلَا ضَجَرْ

وَمَا طَابَ شُرْبُ الْبُنِّ إِلَّا بِقُرْبِهِمْ
بِصَفْرَاءَ تُجْلِي الْهَمَّ عَنْ كُلِّ مَنْ حَضَرْ

إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ اسْتَنَارَتْ بِنُورِهِمْ
وَرَاقَتْ لَهُمْ فِيهَا الْأَحَادِيثُ وَالسَّمَرْ

وَإِبْرِيقُ شَايٍ طَابَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ
وَنَارٌ لَهَا فِي نَاظِرِ الْقَوْمِ مُعْتَبَرْ

فَيَا حَبَّذَا أَيَّامُنَا فِي رِيَاضِهَا
وَيَا حَبَّذَا ذَاكَ الْهَوَاءُ إِذَا أَثَرْ

يَمُرُّ بِنَا الْوَقْتُ السَّعِيدُ كَأَنَّهُ
خَيَالٌ مِنَ الْأَحْلَامِ فِي الْقَلْبِ مُبْتَكَرْ

إِذَا مَا دَنَتْ لِلْغَرْبِ شَمْسٌ وَآذَنَتْ
بِقُرْبِ رَحِيْلٍ، حَفَّنَا الأُنْسُ وَالْقَدَرْ

إِذَا مَا رَمَقْتَ الْأُفْقَ فِي وَقْتِ مَغْرِبٍ
رَأَيْتَ سَنَاءَ الشَّمْسِ فِيهَا قَدِ اسْتَعَرْ

وَمَالَ نَسِيْمُ اللَّيْلِ يَحْمِلُ نَفْحَةً
مِنَ الرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ إِذْ نَفْحُهَا صَدَرْ

فَتَسْمَعُ هَمْسَ الرِّيْحِ بَيْنَ جَرِيْدِهَا
حَدِيْثاً شَجِيّاً لَا يَمَلُّ لَهُ الْفِكَرْ

فَيَا سَعْدَ مَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ آمِناً
بِتِلْكَ الرَّوَابِي حَيْثُ لَا نَفْسَ تَعْتَكِرْ

إِذَا سَكَنَ الْكَوْنُ الْعَرِيضُ وَأَقْبَلَتْ
تَبَاشِيرُ لَيْلٍ بِالْمَحَبَّةِ قَدْ سَفَرْ

وَأَطْلَعَ رَبُّ الْعَرْشِ بَدْراً مُنِيْراً
يَشُقُّ دَيَاجِي الكَوْنِ كَالصُّبْحِ إِذْ ظَهَرْ

تَرَى الْقَمَرَ الْوَضَّاءَ يَسْرِي بِنُورِهِ
فَيَرْسُمُ فَوْقَ الرَّمْلِ طَيْفاً مِنَ الدُّرَرْ

تَرَى نُورَهُ بَيْنَ السَّعَافِ كَأَنَّهُ
سَنَا لُؤْلُؤٍ فَوْقَ الْجَرِيدِ كَمَا الشَّرَرْ

وَيَسْرِي نَسِيمٌ بَارِدٌ بَيْنَ دُورِهِمْ
فَيُهْدِي لَنَا طِيباً شَذَاهُ حَكَى السَّحَرْ

تَرَى الْفَجْرَ فِيهَا لِلنَّوَاظِرِ جَنَّةً
وَنُوراً عَلَى تِلْكَ الرَّوَابِي قَدِ انْفَجَرْ

فَمَا جِئْتُهَا إِلَّا وَنَفْسِيَ أَبْشَرَتْ
وَمَا غِبْتُ عَنْهَا إِلَّا وَالْقَلْبُ انْفَطَرْ

يَزِينُ بِهِمْ وَجْهُ "الْقَصِيمِ" مَهَابَةً
وَيَفْخَرُ فِيهِمْ كُلُّ مَنْ حَلَّ أَوْ عَبَرْ

مَشَيْتُ بِأَرْضٍ وَالظِّلَالُ تَحُفُّنَا
وَنَفْحُ نَسِيمٍ قَدْ جَلَا الرَّوْضَ بِالشَّذَرْ

وَلِلْخَيْلِ فِيهَا صَافِنَاتٌ جِيَادُهَا
تَسُرُّ عُيُونَ الْحَاضِرِينَ بِمَا نَدَرْ

سَلَامٌ عَلَى تِلْكَ الْمَزَارِعِ كُلَّمَا
تَرَنَّمَ قُمْرِيٌّ عَلَى الْغُصْنِ وَاسْتَتَرْ

فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْطَى القَصِيمَ جَمَالَهَا
وَصَاغَ لَهَا سِحْراً بِهِ الرَّوْضُ قَدْ أَسَرْ

وَصَلَّى إِلَهُ العَرْشِ مَا صَفَّ طَائِرٌ
عَلَى أَحْمَدَ المُخْتَارِ نُوراً لِمَنْ بَصَرْ

© 2026 - موقع الشعر