الإمام السارق - أحمد علي سليمان

أتاهم ضيفهم معه الهدايا
فقوبِلَ بالبشاشة والتحايا

فإن له احتراماً لا يُبارَى
وتقديراً ترَبَّعَ في الحنايا

وغازلت الوَليمة عن ضَيفٍ
فأظهرَ ما تخبَّأ في النوايا

مِن الأمداح تُطربُ أهلَ بيتٍ
وكم يَستعبدُ المَدحُ البرايا

وكالَ الشكرَ يعقبُهُ دُعاءٌ
وشكرُ الناس مِن أرجى العطايا

وفاجأتِ النقودُ الضَّيفَ حتى
تُحَيِّرَ ما الفعالُ وما الوَصايا

لئنْ أخذ النقودَ يُقال: لِصٌ
فهل يَغشى إمامهمُ الخطايا؟

وإنْ ترك النقودَ تضِيعُ يَحزنْ
وتكثرْ حول فعلته الحَكايا

فناولها لمُصحفهم حِفاظاً
عليها مِن مُداهمة الرَّزايا

وفارقَ بيتهم فرِحاً رَضِياً
بطعمتِهم تُشيِّعُها الهدايا

وقالت زوجة: سُرقتْ نقودي
وليس الزوجُ يَعلمُ بالخفايا

وزادتْ: ضيفنا لِصٌ خطيرٌ
ونهبُ المال مِن أخزى السَّجايا

فأين أمانة يدعو إليها
بصِدق في المساجد والزوايا

وقالت: سَلهُ عن مالي ، وجئني
بأخبار تُدَثرُها الخبايا

وقال الزوج: لن أغتالَ ضيفي
بسُؤل قد يُعَدُّ مِن الدَّنايا

ولكنْ سوف نقطعه بتاتاً
ونمحو مِن مَشاعرنا البَقايا

ومَرَّ العامُ ، فالأيامُ تجري
فصَفي القلبَ ، يا خيرَ الصَّبايا

دَعِيه يكونُ في رمضانَ ضيفاً
ولا تتذكَري أعتى الشَّكايا

فقالت: سوف نعزمُه بشرطٍ
يُسَربلني ، ويَمتحِن الطوَايا

لتسألْه عن الأموال ضاعتْ
وصِدقاً تلك عاتية القضايا

فقال: أفِي بوَعدي دون خلفٍ
سأسأله لتكتمِلَ الرَّوايا

فقال الزوجُ: يا ضيفي أجبني
وعُذراً إنْ حوى سُؤلي الشظايا

فأين نقودُ ولتْ منذ عام
وخلفتِ الهواجسَ والبلايا

فإذ بالضيف تَغلبُه دُموعٌ
غلتْ منها دِماءٌ في الخلايا

وقال: وَهبتُها قرآنُ ربي
وحفظ المال مِن خير السَّجايا

لتأخذها يدٌ فتحتْ لتتلو
كلامَ الله خلاق البرايا

ولكنْ ما قرأتُم منذ عام
وكنتُم للهوى شَرَّ الضحايا

مناسبة القصيدة

(في أحد أيام رمضان المبارك ، دعت عائلة ما إمام المسجد على الإفطار معهم ، فلبى الرجل الدعوة. وأثناء إعداد الزوجة للمائدة نسيتْ مبلغاً من المال فوق المائدة! وبعد الانتهاء من الفطور ومغادرة الإمام لاحظت الزوجة غيابَ المبلغ! ولأن الزوجة لا يوجد عندها أولاد ، والوحيد الذي دخل البيت هو الإمام فقط دخلها الشك في أن يكون قد سرق المبلغ! وقصَّتْ القصة على زوجها وطلبت منه التأكد من ذلك بالحديث في الموضوع مع الإمام! فقال لها زوجها: هذا عيب ، ولكن سنقطع علاقتنا معه ونغلق الملف! وقرر الرجل عدم الصلاة في المسجد وراء هذا الإمام مرة أخرى! مرت الأيام والشهـور ، وجاء رمضان الذي يليه وجلس الرجل مع زوجته وقال لها: نحن في شهر الرحمة والصفح ، يجب علينا العفو عند المقدرة ، وننسى ما فات! والإمام كما تعلمين رجل غريب ، لا أهل له في قريتنا ، فيجب أن ندعوه إلى الإفطار معنا ولو مرة فسكتت الزوجة قليلاً ، ثم قبلت عَرضَ زوجها ولكن بشرط ، وهو أن يصارح زوجها الإمام في أمر النقود المسروقة من رمضان المنصرم في الوليمة السابقة ، فوافق زوجها على ذلك. وجاء الإمامَ وتناول الفطور! وبعد ذلك واجه صاحبُ المنزل الإمامَ بالحقيقة! فأحس الإمام بوطأة الخجل وبكى. ثم رفع رأسه وعيناه دامعتان من البكا. فسأله الزوج على استحياء: وما يبكيك يا إمامنا؟ قال: نعم أنا من أخذت النقود ، ووضعتها في المصحف الوحيد على الرَّف هنا! وما أبكاني هو أنكم لم تفتحوا كتاب الله طيلة 365 يوماً ولم تقرأوا منه حرفاً حتى في رمضان! ولو فعلتُم لوجدتمُ النقود في صفحته الأولى! فهرول الزوج وفتح المصحف الشريف ، فوجد المال في الصفحة الأولى بين دفتي المصحف عند سورة الفاتحة! فانفجرت الزوجة بالبكاء ، تحاول أن تكفر عن ذنبها بسوء الظن ، وذهبت إلى الإمام طالبة العفو منه! فقال لها الإمامَ اطلبي المغفرة والعفو من الله الذي هجرتي كتابه سنة كاملة ، أما أنا فأنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي فضلاً عن أن أملك لغيري نفعاً ولا ضراً ، فضلاً عن أن أملك شيئاً من ذلك لغيريَّ!)
© 2026 - موقع الشعر