كارميني يورو جوسيبي - أحمد علي سليمان

هداية الله تَسبي كلَّ ذي رَشَدِ
وكم يُسَرُّ بها في الناس مستهدي

(كارميني) جاء إلى (ليبيا) يُسامِرُه
طيفُ الصعود إلى مَدارج المجد

يُحققُ العز للطليان عن رغب
منفذاً ما انتوى مِن صادق العهد

له عليهم وعودٌ ليس يُخلفها
لكن يُوَفي الذي أعطى مِن الوعد

وللسلاح بكَفِّ الشهم صَولتُه
إذ كان في جيشهم مِن خِيرة الجُند

أبلى بلاءً له جميعُهم ذهلوا
ويعلمُ الله ما راموه مِن كيد

وأخلصَ البذلَ لم يبخل بعارفةٍ
وما لبذل عزيز النفس مِن حَد

وشاء ربُّ الورى يوماً هدايته
وليس شييءٌ يُعِز العبدَ كالهَود

فعاينَ الظلمَ نفسُ الحُر تمقتُه
فردَّ سيفاً جنى الأرواحَ للغمد

وردَّ نفساً إلى حق ومَعدَلةٍ
فلم تُبال بما تنويه مِن قصد

وكفكفتْ دمعها عن سوء ما فعلتْ
بخير شعب ثوى من وطأة البيد

لاحى بني الأصفر الغرورُ شط بهم
أبئسْ بجيش مِن الأوغاد والمُرد

فما استكان لِمَا أتوه مِن مِحن
ولم يُسَلم لهم عواصمَ البُلد

وحسْب طاقته لاقى كتائبهم
بالنار ليس لها في الحرب مِن خمد

وبات كارميني بعد التوب سيفَ هُدىً
يُجَرِّعُ الكفرَ ما أملاه مِن حقد

وشَدَّ مِئزرَه يأوي لخندمةٍ
تُبلي الأعاديَ بالإبعاد والطرد

وصار في رفقة (المختار) مؤتمناً
يُتابعُ الجُندَ في سَهل وفي نجد

يُعِدُّ للجيش إن يَغزو ذخيرته
ومال في العيش للكفاف والزهد

يا(مسلمانيُّ) هذا البذل مكرُمة
تقبلَ الله ما قدمت مِن جهد

نلت الشهادة في عِز وفي شرف
من بعد ما نلت ما أمَّلت من نُشْد

عليك رحمة ربِّ الناس واسعة
ما انفك بحرٌ يَفِي بالجَزْر والمَد

مناسبة القصيدة

(التاريخ الذي لم نقرأه ذكر قصة ضابط إيطالي جاء غازياً فمات شهيداً! الاسم: كارميني يورو جوسيبي! الجنسية: إيطالي! الديانة: نصراني (أرثوذكسي)! مواليد: 1883م في نابولي بإيطاليا! استشهد عام 1931م في ليبيا! الرتبة: نقيب في الجيش الإيطالي! ولد كارميني في عائلةٍ متعلمةٍ ، فوالده من أغنياء نابولي ، ووالدته متعلمة متدينة ، وله شقيق وشقيقة! كارميني يحب الحياة واللهو والسهر والانطلاق ترك الدراسة وطلب الالتحاق بالجيش ليمارس هوايته ، وهي تصميم وتصنيع الأسلحة! عقب احتلال ايطاليا لليبيا طلبوا من كارميني السفر عبر البحر إلى درنة ، وعندما وصل إلى ليبيا تم تكليفه بقيادة عدة كتائب للسيطرة على الجبل الأخضر ، وهو يحمل في قلبه الكراهية والحقد والانتقام من الليبيين ، ويعتبرهم يسدون الطريق أمام مستقبل إيطاليا. وعندما عاش الواقع والحقيقة في ليببا ، وأحس بعدل قضية هؤلاء العزل الذين يقاومون الآلة الحربية الإيطالية بأقل الإمكانيات وبكل جلد وصبر أحس بأن في الأمر ما وراءه! فقرر كارميني عام 1916م أن يرفع الراية البيضاء ويسلم نفسه للمجاهدين! وعندما علم عمر المختار بذلك ، طلب من الفضيل بو عمر أن يعامله باحترام ويستقبله بترحاب وحفاوة! ومن يومها أصبح كارميني هو المستشار الخاص لعمر المختار ، ويقوم بتصنيع المتفجرات للمجاهدين. وشارك في معارك البريقة والزويتينة وبير بلال. تعمق كثيراً في علاقته بالمسلمين ، وأصبح يسأل كثيراً عن الإسلام وعن القرآن! واستمر على ذلك حتى أشهر إسلامه. وبعد أن أعلن إسلامه أطلق عليه السيد أحمد الشريف إسم (يوسف المسلماني) بدل كارميني! تزوج تبرة موسى المجبري من جالو ، فأنجبت له محمداً عام 1927م ، وعائشة عام 1930م. اقتداءً باسم خير الخلق وزوجه! وأصبح يوسف (كارميني) مطلوباً من الحكومة الإيطالية ، حتى تم القبض عليه عام 1931م! عرضت عليه السلطات الإيطالية الارتداد عن الإسلام والعودة إلى أهله في نابولي ، فرفض بشدة فتم إعدامه رمياً بالرصاص من الخلف عام 1931م. ويقول شهود تنفيذ الحكم أنه طلب وقتاً لصلاة ركعتين وقرأ بعض الآيات ، وطلب طلباً أخيراً بترك أبنائه بسلام في بلاد الإسلام! توفيت ابنته عائشة وهي طفلة ، بينما شب ابنه محمد وتزوج وأنجب أولاده وهم: (يوسف وفتحي وخالد وأشرف وأحمد وفرج ومريم وسعاد وآمال ورجاء ووفاء)! وهم يعيشون الآن في مدينة بنغازي. وعلى قيد الحياة! توفيت زوجته تبرة موسى المجبري عام 1972م عن عمر يناهز 70 سنة! توفي ابنه محمد عام 1993م! حرياً بالليبيين أن يسموا على أضعف الإيمان أحد شوارعهم باسم هذا البطل ويحيون ذكراه ، فإنه لا يقل مكانة عن أي مجاهدٍ من أقرانه! والجدير بالذكر أنه صدر عنه كتابان هما: كتاب (يوسف المسلماني) إعداد فتحي الساحلي ، وكتاب (البطل يوسف المسلماني) باللغة الإيطالية تأليف: جان أنتونيو ستيلا. وترجمه للعربية: عبد الله المرتضي.)
© 2026 - موقع الشعر