عجمي السعدون - أحمد علي سليمان

ليس يأتي مَجدٌ بلا استحقاق
والعُلا دوماً أهله في استباق

كلُّ مجدٍ له رجالٌ وسعيٌ
والتجاءٌ للواحد الخلاق

واجتهادٌ مِقدارُهُ لا يُبارى
واصطبارٌ يأوي إلى الانطلاق

كلُّ هذي الخِلال في عَجميٍّ
صاحب القول الفصل والأخلاق

عجميُّ السعدون ليث التحَدِّي
فالتحايا لهُ مِن الأعماق

مَيِّتٌ حَيٌ رغم بُعد زمان
مِثْلهُ لم يوجدْ على الإطلاق

صامدٌ ، والصُّمودُ عزمٌ وغرمٌ
رغم ضَنك الدنيا وغدر الرِّفاق

حوله كم صرعى الكراسي استُنِيخوا
آخذين ما حَصَّلوا بالنفاق

قيلَ: تُستبقى حاكماً لعراق
وتَنالُ كلَّ الرضا باتفاق

شرط أنْ تحيا للأعادي عَميلاً
وتحوز الترفيعَ باستحقاق

مستكيناً للإنجليز رَضِياً
ناشداً مَرضاة العِدا بارتزاق

قلت: كلا فلن أكون وَضِيعاً
بيننا – عهداً – لن يكون تلاقي؟

آلُ عُثمان سادتي ووُلاتي
بيننا العهدُ ، والتناصُرُ باقي

لستُ غدَّاراً ، والعَمالة كُفرٌ
فاقصدوا غيري مِن دُعاة الوفاق

ما يقول أهلُ العشائر عني
إنْ دَهتني مساويءُ الأعراق؟

إن (توماسَ) الوَغدَ أدلى بدلو
واحتفى بي مستعظماً مِيثاقي

وكذا (بيرسي) خَصَّني بالهدايا
مُبدِياً عندي نزعة استشراق

واسألوا (القصَّابَ) الأديبَ يُجْبْكم
عن قراراتٍ كان فيها عِتاقي

كيف أرضى بيعَ البلاد ببَخس
إن هذا التهريج أخزى اختلاق

عَجميُّ أبشر بخير جزاءٍ
عند لقيا المُهيمن الرَّزاق

مناسبة القصيدة

(لا يكاد التاريخ المعاصر يذكر الكثير عن البطل الكبير عجمي السعدون. في حين نراه ذكر الكثير والكثير عن كثير من التافهين والساقطين والمفسدين في الأرض. رفض هذا الرجل الشيخ عجمي السعدون عرض الإنجليز بأن يحكم العراق ، مقابل أن يتعاون معهم ضد الخلافة العثمانية أسوة بغيره من العملاء الخونة في زمانه. بل ظل وجنوده يحاربون الإنجليز تحت راية الدولة العثمانية وحتي بعد سقوطها. فمن عجمي السعدون؟ هو رئيس عشائر إمارة المنتفق بالعراق التابعة للخلافة العثمانية. قال عنه تحسين علي: "كان أحد الأمراء المسيطرين على لواء المنتفق وباديته ، مخلصاً للدولة العثمانية كلّ الإخلاص" ، شارك عجمي مع العثمانيين في مقاومة الغزو الإنكليزي فمنحته الدولة العثمانية رتبة ميرميران ، ومعناها أمير الأمراء. وتقول وثائق تاريخية إن العميل البريطاني «توماس إدوارد لورنس» ، المشهور بـ «لورنس العرب» ، عرض على «عجمي باشا» خيانة الخلافة مقابل تعيينه حاكمًا على العراق بعد انتهاء الحرب ، لكن الأخير رفض بشدّة. وقد أرسل له المندوب السامي البريطاني "بيرسي كوكس" (الذي نصب كل ملوك الخليج علي عروشهم) يعرض عليه تنصيبه ملك علي المنطقه الجنوبية بالعراق والكويت فرفض الشيخ عجمي باشا السعدون. ويقول السياسي العراقي عبد العزيز القصاب أنه قد التقاه في أنقرة ودعاه للعودة للعراق. فقال له: (كيف أعود والإنكليز يحكمون البلاد وليس بيدي القوة لمحاربتهم). ووقف عجمي باشا إلى جانب الخلافة العثمانية ضد الإنجليز والفرنسيين ، وانتقل من العراق إلى ماردين بالأناضول (تركيا حاليا) عام 1920 ، وساهم بشكل كبير في تحرير أورفة ، وتوفي في أنقرة يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1960م. ولذلك أطلقت السلطات التركية اسم الشيخ «عجمي باشا السعدون» على شارع كبير في ولاية شانلي أورفة جنوب شرقي البلاد ، تكريمًا لموقفه المشرف الداعم للخلافة العثمانية وجهاده ضد الاحتلال البريطاني وعملاءه من الزعماء العرب الخونة إبان الحرب العالمية الأولى. ويُروى عن عجمي باشا أن عمّه الدكتور عبد الإله سأله عندما كان لاجئا في أنقرة عن سر وقوفه مع العثمانيين في الحرب. فأجاب بأن الإنكليز كانوا غزاة كفارا. وأضاف: "كيف أقف معهم ضد إخوتي المسلمين العثمانيين والذين كانوا يعيشون معنا ، نأكل ونصلي معهم؟ ذلك ضد تقاليدنا العربية وشيمنا الإسلامية. وكنا قد أقسمنا على القرآن بالولاء للخلافة العثمانية. كيف ألقى الله تعالى بهذا الغدر وتلك الخيانة؟". ومن هنا كان إعجابي المفرط بهذا البطل الشهم العظيم ، فكانت هذه القصيدة المتواضعة في الإشادة ببطولته وشهامته وعظمته. ولا أزكي على الله ربي أحداً. إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين. رحم الله عجمي السعدون ، وتجاوز عن سيئاتـه ، وغفر له ذنوبـه ، وتقبله في الصالحيـن الشهداء الموحديـن المؤمنيـن.)
© 2026 - موقع الشعر