ثمرة التوكل على الله - أحمد علي سليمان

الخيرُ عُقبى مَن له أملُ
في الله لم تذهبْ به الغِيَلُ

وللتوكل مُتعة عُلِمتْ
أسرارُها في النفس تعتمِل

يَعتادُها في العيش مجتهدٌ
دوماً على الرحمن يتكل

و(هُدى) تُعلمنا حكايتُها
أن التوكل شأنُه جَلل

كانت تعيش ، ولا يُهدِّدُها
فقرٌ ، ولا خوفٌ ، ولا ضَلل

والزوجُ والأولادُ في سَعةٍ
والبيتُ بالتيسير يَحتفل

حتى أتى عن زوجها خبرٌ
دَمِعتْ لهول مُصابه المُقَل

فاسترجعتْ ، واستقبلتْ غدَها
ما هَدَّها جَزعٌ ولا مَيَل

وتفاءلتْ بالخير يَغمرُها
لمَّا تزلْ تدعو وتبتهل

لكنَّ جُهدَ الأهل جَندلها
فالبذلُ للأولاد ما احتملوا

والطردُ كان الحَلَّ عن رغم
مَضتِ الحُلولُ وخابَتِ الحِيَل

فمَضتْ بأولادٍ لأسرتها
يَحدوهمُ السُّلوانُ والأمل

يستبشرون لهم تفاؤلهم
فالأنسُ بالأهلين مُكتمِل

وبقية الأموال تجعلهم
في عِزةٍ عن بذل ما بذلوا

حتى إذا أموالهم نضبتْ
عَمَّ الأذى ، واستفحلَ الثقل

والأهلُ ما طاقوا وما اقترحوا
أن يستمرَّ الحالُ ، فانفعلوا

قالوا لأم والعيال معاً
زادَ الخِناقُ ، وضاقتِ السُّبُل

لمَّا نعُدْ نُطِيقُ مُؤنتكم
والحَلُّ أنْ تمضوا وترتحلوا

وتساءلتْ أمٌ ، وقد كُسرتْ
ما الحلُّ؟ ما التصريف؟ ما العمل؟

كيف السبيلُ إلى مُعايشةٍ
لا يَعتريها الذلُّ والفشل

ثم ابتنتْ كُوخاً ليُؤويَهم
وامتدتِ الأغصانُ تتصل

والكوخ ملتصقٌ بمدرسةٍ
أصحابُها الأنصارُ والأهَل

و(المطعمُ الفضيُّ) لاحَ لها
فيه الشرابُ العذبُ والأكُل

مِن النفايات التي رُمِيتْ
قضى عليها الترْبُ والبَلل

ماذا عليها؟ ما الذي كسبتْ
حتى يُسَربلها الضنا المَحِل؟

فاسترسلتْ في الفكر باكية
ماذا يُقدِّمُ دمعُها الهطِل؟

فامتدَّ كفٌ بالدعاء ضُحىً
كم بالدعا تُستدفعُ العِلل

فجاء مِن أقصى مَدينتها
لكُوخها في صُبحها رجل

أزتْه رُؤيا ما استراحَ لها
فزالَ نومٌ ، وانقضى الكسل

وساءلَ الوُلدَ الألى مَكثوا
وجاءهم يسعى بما أكلوا

وأخبروه بمُرِّ قِصتهم
والأمُّ جاءتْ كلها شُغل

قالت: حَنانيكَ الظروفُ طغتْ
ما حِيلتي والعيشُ معتقِل؟

مَن أنت؟ مَن أنباك قِصتنا؟
إنا هنا نتقي ونعتزل

أجابَ: إني جئتُ أنقذكم
ولا أعَدُّ مِن الألى خذلوا

عُودي إلى الأهل الألى طردوا
ولا يَغرَّكِ يا (هُدى) الهمل

هو الزواجُ يَحُلُّ مشكلة
فلا تُبالي بالذي فعلوا

أكون للأيتام والدَهم
وزوجَ أمٍّ ما به خطل

هيا إلى القصر المُعَدِّ لكم
لنكيد مَن خذلوا ومَن عَذلوا

لله دَرُّكِ يا(هُدى) ، فثقِي
بالله ، في المَولى لنا أمل

مناسبة القصيدة

(ودع رجلٌ زوجته وأولاده الأربعة ، وسافر إلى المدينة يبحث عن عمل؟ حيث تم لإنهاءُ عقد عمله من وظيفته لأنه لم يكن ليقبل بالغش ولا بخداع الناس. وبعد مرور ساعات جاء اتصال أحد افراد الشرطة. "أنت زوجة فلان؟ فأجابت الزوجة: نعم أنا زوجة فلان. فقال لها: احتسبي زوجك عند الله تعالى ، فإن السيارة الذي كان بها ، سقطت من أعلى منحدر جبلي وقد توفي كل من كان على متن السيارة ، وزوجك أحدهم؟ فانصدمتِ الزوجة (هُدى) عند سماع الخبر. ولكن لم تقم بالصراخ ولا بالبكاء بالصوت العالي ، كما أنها لم تعمد إلى لطم الخدود وشق الجيوب على عادة الجاهلية الممقوتة. كل الذي بدا منها هو قول الحمد لله على كل حال ، وٳنا لله وٳنا اليه راجعون. وصبرت واحتسبت وحولقت وحوقلت. لقد ترك لها أربعة أطفال ، وكانت تعيش مع أفراد أهل زوجها في بيتٍ واحد. وبعد مرور عدة أيام بدأ أهل زوجها يتنازلون عن رعاية أبناء أخيهم المتوفى ، وأخبروها بأنهم غير مسؤولين عن تربيتهم ولا رعايتهم ولا حمايتهم ، ولم يكتفوا بذلك بل قرروا أن يطردوها من بيت زوجها مع أطفالها. فأخذت الأم أطفالها وهي تبكي ، وذهبت بهم إلى منزل أبيها. فرحب بها أهلها وعاشت معهم. وبعد شهور أحست الأم أنها أصبحت ثقيلة على أهلها ، لقد كان جميع ٳخوتها متزوجين. وكانت في بعض الأوقات تسمعهم يتحدثون عن ثقل أولادها ومصاريفهم التي أصبحت تزداد شيئاً فشيئاً كل يوم. فحزنت الأم على حالها وحال أولادها ، ولم تكن لتصدق أن الذين كانوا يتحدثون عن أطفالها هم أهلها وسندها بعد الله تعالى. فلم تنم ذلك الليلة ، بل انتظرت طلوع الشمس ، وأخذت أطفالها وغادرت المنزل دون أن يعلم أحد. وذهبت مع أطفالها تبحث عن مكان تمكث فيه. وبعد بحثٍ طويل رأت أسواراً لمدرسة قديمة ، ومن حولها تلتف أشجارٌ كثيفة. فتركت أطفالها بين الأشجار ، وبدأت تعمل من أغصان الأشجار عريشاً ، وغطت من الأمام بالأغصان ومن الخلف مستغلة في ذلك أسوار المدرسة. ونجحت الأم في بناء كوخ من الأشجار تأوي أطفالها مؤقتاً. ولم يقصر أصحاب المدرسة في مساعدتها باديء الأمر ، بل أمدوها بالمال والطعام والشراب. وبعد أن أكملت بناء الكوخ ، نظرت إلى صغارها. وعرفت أنهم جوعانين. فانكسر قلبها على أولادها ، فقامت بالبكاء ورفعت يدها نحو السماء وقالت: يا رب ، لقد تخلى عني أهل الأرض بعامة ، وتركني الأهل بخاصة ، وخذلني الجيران والأصدقاء والقريب والبعيد. وها أنذا اليوم وحيدة ، يا رب فمن لي سواك؟ لقد وكلتك أمري وأمر صغاري ، فتكفل بنا يا جبار يا رحمن يا رحيم. وبعدما أكملت الدعاء ، أخبرت أولادها بأن يبقوا بداخل الكوخ حتى تعود إليهم. ثم ذهبت تبحث عن طعام. وبعد لحظاتٍ وجدت مطعماً كبيراً ، وكان يقف أمام باب المطعم حارس أمن ، فاقتربت منه ثم قالت: أين تضعون بقية الطعام؟ فأجابها بأنهم يضعون البقايا داخل المزبلة خلف المطعم. ففرحت وفوراً وذهبت خلف المطعم. وعندما نظرت إلى سلة النفايات ، وجدت أن بقايا الطعام غير صالحة للأكل ، وكان يجتمع بداخلها جميع الحشرات والذباب المقززة ، فخافت الأم على صحة أطفالها من الأمراض. ثم تركت المكان ، وأكملت طريقها في البحث عن الطعام فكانت تتجول بين الشوارع ، وتتفقد نفايات بقايا المطاعم الأخرى ، ولكن كانت بنفس المنظر فلم تختلف كثيراً عن أول بقايا لأول مطعم. على أن أول مطعم هذا وحده كان بكل سهولة ويسر يستطيع أن يغنيها عن البحث في نفاياته أو نفايات سواه. فكل أهل البلدة يعرفون (المطعم الفضي) بطعامه الحلال وصدقاته الكثيرة. فشعرت الأم باليأس والتعب ، وتورمت قدماها من شدة الركض في الطرقات والشوارع والأزقة. ثم قررت أن تأخذ قسطاً من الراحة ، فجلست قليلاً تحت شجرة على حافة الطريق. ثم واصلت المشوار للبحث عن طعام لصغارها الذين ينتظرونها لتعود لهم بالطعام. وواصلت الأم البحث عن الطعام في سِلال النفايات ، ولكن لم تجد الطعام الصالح. وكانت تغير اتجاهات طريقها لعلها تجد شيئا صالحا ونافعاً. ولكن باءت جميعُ محاولاتها بالفشل فأجهشت بالبكاء ، لقد ابتعدت كثيراً عن المكان الذي تركت به أطفالها. فنظرت إلى السماء تناجي ربها بدموع وحرقة ، وكأنها تقول: يا رب لقد دعوتك ، وشكوت ٳليك حالي ، فانظر إلى أمَتك الضعيفة المسكينة وراعها وأكرمها ولا تُذلها. وعندما شعرت بالتعب والٳحباط واليأس ، قررت أن تعود إلى أطفالها ولو بيدٍ فارغة وقلب مكسور ودموع تنهمر كالأمطار ، وكانت تمشي وتقول يا رب وكلتك أمرنا ، أنت حسبي والحمد الله والشكر لله. وعندما وصلت إلى المكان تفاجأت. لقد وجدت أطفالها وبجانبهم طعام كثير ، وكان يقف بجوارهم رجلٌ غني تقي صالح. فنظرت نحو الرجل وقالت: من أنت؟ فأجابها أنا عبدٌ من عباد الله ، لي مزرعة خلف هذي المدرسة ، والغريب أن إخوتي هم المسؤؤلون عن القيام بأعمال المزرعة. وأنا أدير أعمال الشركات. ولكن عندما عدت من الشركة ذهبت لسريري لأرتاح قليلاً.
© 2026 - موقع الشعر