بين المهد والمجد واللحد - أحمد علي سليمان

أين ولى وَعدٌ؟ وأين الوَعيدُ؟
صاح أين القصُورُ؟ أين النقودُ؟

لقبُوكَ (قارونَ عصركَ) ، فافرحْ
هل تفطنت ما هو المقصودُ؟

أنت في عِز وابتلاءٍ مَهيب
كم تمنى ما أنت فيه العبيد

أعلنوها في كل وقتٍ وحين
إن (عدنانَ) بيننا لسعيد

إنه ذو حَظ عظيم ، ويحيا
في نعيم يَرقى به الترشيد

ثرواتٌ منها تخافُ بنوكٌ
وغِنىً مُطغ ما احتوتْه حُدود

وقصُورٌ عنها تُحَاكُ الحَكايا
وبنوكٌ فيها يُصَانُ الرَّصيد

ويُخوتٌ في البحر شَقتْ عُباباً
لا يَعُوقُ إبحارُهن الجليد

تختِلُ البحرَ في انطلاق رهيب
لا تُبالي بالموج إمَّا تعود

فوقهن للطائرات مَحَط
ما لهن عند الطواغي وُجود

والطعامُ مِن كل صِنفٍ وقطر
والشرابُ في الكأس منه المَزيد

والثيابُ مِن كل عصر ومصر
ليس فيها غِشٌ ولا تقليد

وأثاثُ (الفِيللا) طِراز عجيبٌ
والطلاءُ – يسبي العيونَ – فريد

والغغَنيُّ اصطادتْهُ صَولة كِبْر
فاستمى الشُّحُّ والهوى والجُحود

لم يكن يُعطي كي يُبارَك مالٌ
إنما العارُ المستبينُ الجُود

فاستحالتْ أمواله لسراب
وعلى الوصف ليس يقوى القصيد

واعتراهُ فقرٌ يَروحُ ويغدو
وانكسارٌ يَشيبُ منه الوليد

أين ولى الغِنى؟ وأين التعالي؟
أين وَعدُ الدُّهقان؟ أين الوَعيد؟

ثم جاء الموتُ الذي لا يُحابي
هل تساوتْ فيللاتُه واللحود؟

ثمنُ الأكفان استحالَ ، فنادَوْا:
مَن غنِيٌّ على الفقير يَجود؟

عِبرة هذي دَرسُها لا يُبارَى
فاعقلوها يا قومنا ، واستفيدوا

وابذلوا الخيرَ ، واستعدوا ليوم
ليس موتٌ مِن بعده ، بل خلود

مناسبة القصيدة

(من قمّة المجد إلى قبرٍ بلا كفن قصة لو لم تُروَ لقلنا إنها خيال رجل طار في سماء الدنيا عاليًا… ثم سقط سقوطًا لا يُسمع فيه إلا صوت القدر. كان يسمونه "قــارون العصر". ثروته تخيف البنوك. قصوره كالحكايات. يخوته بها مهابط طائرات. طائراته الخاصة تُحلق من أجل "آيس كريم" لابنته من باريس و"شوكولاتة" من جنيف. يا الله كم من السراب حسبناه ثباتًا. نسي أن الملك لله وحده ، كما نسي أن النعمة أمانة لا خلود ، وأن من توهّم أنه فوق الخلق كسرته السنن أمام أعينهم. قال الله تعالى في سورة الفجر بعد أن عرض للنموذجين (أكرمه ونعمه & قدر عليه رزقه): ﴿كَلَّا﴾ ليست الثروة كرامة ، ولا الفقر إهانة إنما الابتلاء في الحالين ، والعاقبة للعمل. قال ذلك الملياردير الشحيح الكنود المغتر يومًا: "أنا لست وكيل آدم على ذريته). وذلك عندما طلب منه الناس أن يتصدق على الفقراء والمحتاجين والمساكين. فكان لا يرحم فقيرًا ، ولا يحنّ على محتاج ، ولا يرى في المال إلا شهوة تُنفق ، لا أمانة تُؤدّى ليلة ما. ذات يوم طرق بابه خادم فقير وقال له: "زوجتي مريضة أعطني شيئًا أعالجها به". فطرده وأغلق الباب في وجهه. فقال الخادم: أسأل الله أن يُريك يومًا تحتاج فيه للناس ، ولا تجد يومها غيري. ومضت السنون. وبقدرة من لا تغيب عنه دمعة مظلوم ، انهارت المناجم ، وضاعت الإمبراطوريات ، وتلاشت المليارات ، وأصبح لا يملك قوت يومه ، حتى أعانه رجل أعمال. وفي يومٍ مُهين ذهب إليه يطلب المساعدة ، ولكن كانت المفاجأة أن الذي سلّمه المال كان الخادم ذاته نظر إليه الذي منعه ماله يوماً ، والدمعة تحبس كرامته ، لم يفرح ، ولم يشمت ولم يقل شيئًا ، وغادر تاركًا خلفه أكبر صفعة من دون يد. وفي النهاية مات قارون العصر دون ثروة ، دون جاه حتى ثمن الكفن لم يكن يملكه. والعبرة التي يجب أن تُكتب على جدار القلب أن من علا دون شكر أسقطه الله تعالى بلا رحمة ، وأن من تكبّر على الخلق أذلّه الله تعالى عند الخلق ، وأن ما في يدك اليوم ليس ملكك ، إنه أمانة. إنني أكتب قصيدتي: (بين المهد والمجد واللحد) عن هذا الملياردير العربي لأبين أن المسافة بين المهد والمجد واللحد قصيرة جداً. وإنها لقصيرة تلك الحياة التي نعيش. فما يلبس الإنسان أن يولد حتى يمر بمراحل الحياة المختلفة ، ثم تأتي المرحلة الحاسمة (الموت).
© 2026 - موقع الشعر