أنجز حر ما وعد - أحمد علي سليمان

تفِي بالوعود النفسُ إن صاغها الصِّدقُ
وليست تُوَفي النفسُ إنْ عاقها الحُمقُ

على هذه الأخلاق عاشَ جُدودُنا
وصِينتْ حقوقٌ واستمى العدلُ والحق

ألا إن الأحرار تسمو عهودُهم
عن الخُلف كالعُبدان هذا هو الفرق

تعيشُ كراماتٌ ، وحيا مناقبٌ
وتفنى حَزازاتٌ ، ويتسعُ الأفْق

كذلك عاش العُربُ شُماً وسادة
ولمَّا يَضِقْ غربٌ بفعل ولا شرق

وبرهانُ قولي ما جرى لابن نهشل
يُزيلُ بسيف الحق ما خلّفَ الحِنق

يُوَفي بوعدٍ (لابن عمْر) نجابة
ومَن يُخلفِ الموعودَ أولى به الرِّق

وأولى بقوم بالغنائم أتحِفوا
بأن يَصْدُقوا وعداً يُزيِّنُه الصدق

أغاروا على قوم ، وجاسُوا دِيارهم
وكل الذي حازوا بحربهمُ رزق

وأثقِلتِ الأحمالُ ، والدربُ شاهدٌ
وأخمدتِ الغاراتُ ، وانفرط العقد

وناسبَ أن يلقى المستهينُ بوعدهِ
جزاءً وفاقاً لا يَضِيقُ به الرِّفق

وأنجز حُرٌ وعده عن قناعةٍ
ولمَّا يَعُد لومٌ ، ولمَّا يَعُد ضَيق

وعاد إلى الموعود بالغنْم سَهمُهُ
حلالٌ عليه الخمسُ ، وليَنقض الحَيق

و(صخرٌ) بهذا الفعل حققَ وعدَهُ
وأعتقَ أرواحاً ، فيا حبذا العِتق

وعاشت على ذا السمت أعرابُ قومنا
فليس لديهم خلفُ وَعدٍ ولا خَرق

مناسبة القصيدة

(الأمثال العربية لها دلالاتها ومضاربها وقصصها ومعانيها. ومنها مثل يقول: (أنجز حر ما وعد). ومن هنا اهتم بها المؤلفون العرب في القديم والحديث ، وكانت لها المجلدات والشروح ففي لسان العرب أمثالٌ ليست مجرد كلمات ، بل شواهدُ أخلاقٍ ، وتواريخُ مروءةٍ ، وخلاصاتُ حياة. ومن تلك الأمثال التي جرت مجرى الدم في عروق العربية قولهم: «أنجز حرٌّ ما وعد» ؛ جملة قصيرة ، ولكنها ثقيلة الوزن ، بعيدة الغور ، تُلخّص فلسفة الوفاء في أبهى صورها. هذا المثل ، وإن جاء في صيغة الخبر ، فمعناه الأمر والحضّ: ليُنجز الحر ما وعد ، فالحرّ لا يعلّق وعده ، ولا يجعل العهد ريحًا عابرة ، بل يربطه بالفعل ، ويختمه بالوفاء. وأصل «الإنجاز» في العربية يدل على السرعة والمبادرة ؛ يقال: تناجر القوم في الحرب إذا تسافكوا دماءهم مسارعين ، كأنهم سبقوا إلى القتل سباقًا. فكأن الوفاء في هذا المثل ليس فقط أداءً ، بل أداءٌ عاجل ، لا يعرف التسويف ولا التأجيل. أما قصة المثل ، فهي مرآة صافية لأخلاق العرب في جاهليتهم ، حيث كان الوعد دينًا ، والحرص على الشرف فوق المكاسب. ذلك أن الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي قال يومًا لـ صخر بن نهشل بن دارم:- «هل أدلّك على غنيمة على أن لي خُمسها؟ فأجابه صخر دون تردد: نعم فدلّه الحارث على قوم من أهل اليمن فأغار صخر عليهم بقومه ، فعادوا بغنائم ملأت الأيدي ، وأثقلت الأحمال. فلما انقضت الغارة والتفت الحارث إلى صخر ، قال له كلمته الخالدة: (أنجز حر ما وعد). فكتبت نصي هذا على الطويل في هذا المثل ليكون نصيحــة وموعظــة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.)
© 2026 - موقع الشعر