القاضي وسارق الخبز - أحمد علي سليمان

الحقَ قال ، وزايلَ الكذبا
لمَّا غدا قاضي القضاة أبا

إن الصَّبيَّ أتاه متهماً
والجُرمُ أمسى للفتى لقبا

ماذا سرقت لكي تكون هنا
فرَدَّ مُعترفاً بما نهبا

خبزاً وجُبْناً أتقي بهما
بين الورى - يا سيدي - سَغبا

لم أستطع – صِدقاً - شِراءَهما
وشَهامتي تستهجنُ الطلبا

أما أبي فسَلا بثانيةٍ
والأمُّ بعدُ تُصارعُ الوَصَبا

خذ الاعترافَ بلا مُراوغةٍ
فاحكمْ ، وحُكمُك - في القضا - وجبا

فاستعذبَ القاضي صَراحته
والحكمُ جاء – تكلفاً – عجبا

إذ غرَّمَ القاضي الألى حضروا
بالنفس مُبتدئاً ومُحتسبا

والمُدَّعِي ألفاً بلا جدل
والكيدُ فوق الكائد انقلبا

أو يُغلقُ الدُّكانُ عن رَغم
ما كان هذا الحكمُ مُرتقبا

لذا الحضورُ بَكوْا وما امتنعوا
أما الصبيُّ فحاز ما اكتسبا

العدلُ ليس له عشيرته
وما لقوم في الدُّنا انتسبا

العدلُ في الدنيا يُناصرُه
مَن غلبوا الأخلاقَ والأدبا

فليس مَقصوراً على فئةٍ
قد أسلمتْ ، واجْتثتِ الرِّيَبا

مناسبة القصيدة

(لقد عجبتُ لهذا القاضي الأمريكي والسارق المكسيكي والعدالة الجِنائية المُتناهية. كما عجبتُ من الحُكم الَّذي أصدره ذلك القاضي على صبيٍّ عمره "15 عامًا" والَّذي تمَّ القبض عليه مُتلبِّساً بالسرقة من دكَان في أمريكا ، والذي حــطم أحد الرفوف خلال مُحاولته الهرب. حيث سأل القاضي الصَّبيَّ بعد أن سمع تفاصيل الحادثة: أحقاً سرقت شيئاً ، سرقتَ خُبزاً وجبنة وحطَّـمت أحد الرُّفوف؟ أجاب الصَّبيُّ في خجل وهو مُطأطئ الرَّأس: نعم. فعقب القاضي: لِماذا سرقتَ إذن؟ فأجاب الصَّبيّ: مُحتاج. فاستدرك القاضي: ألم تستطع شراءها بدلاً من سرقتها؟ فأجاب الصَّبيّ: هذا صحيح ولكنني لـم أكن أملك مالاً. فقال القاضي: گان باستطاعتك طلب الـمال من والديك. فقال الصَّبيّ: لديَّ فقط أمِّي الـمريضة الَّتي ترقُد في الفِراش وليس لديها عمل من أجلها سرقت الخبز والجبنة فقال القاضي: وأنت أَلا تعمل شيئاً؟ ألا يوجد لديك عمل أو شغل؟ فأجاب الصَّبيّ: اشتغلت في غسيل السيَّارات. وعندما أخذت إجازة ليوم واحد لكي أُساعِد أمِّي وَلِهٰذا السَّبب فصلوني مِن العمل. وبعد انتهاء الـمحادثة مع الفتى أعلن القاضي الحُكم: السَّرقة خاصَّة سرقة الخبز هٰذِهِ جريمة مُخجِلة جِداً ، وجميعنا هنا مسؤولون عن جريمة السرقة هٰذي. اليوم جميع الحضور في هٰذِهِ القاعة بمن فيهم أنا مسؤولون عن جريـمة السرقة هٰذِهِ. وهكذا فإنَّ جميع الحضور سيُغرَّمُ كلُّ شخص بعشرة دولارات. ولن يخرج أيُّ شخص مِن القاعة قبل أن يدفع 10 دولارات. وأخرج القاضي بسرعةٍ مذهلةٍ من جيبه ورقة مِن فئة 10 دولارات ، وأخذ قلماً وبدأ بالكتابة بالإضافة: "حكمت بغرامة 1000 دولار عَلى صاحب الدُّكَّان الَّذي سلَّم الصَّبيَّ الَّذي يعاني الجوع إِلى الشُّرطة. وإذا لـم تدفع الغرامة في السَّاعة الواحدة سيظلُّ الدُّكَّان مغلقاً". وهنا اعتذر جميع الحضور في القاعة للصَّبيِّ وسلَّموه الـمبلغ كاملًا. خرج القاضي من قاعة الـمحكمة وهو يحاول إخفاء دموعه. وأضاف: إذا تمَّ القبض على شخص ما يسرق الخبز فيجب أن يُخجِل جميع السُّكَّان والـمُجتمع في هذِهِ الدَّولة. أقولها بصدق: القاضي هنا لا يغلب تعاليم المسيح صلى الله عليه وسلم إن كان قاضياً نصرانياً. ولا يغلب أحكام الشريعة الإسلامية وتعاليم محمد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قاضياً مسلماً. القاضي هنا يغلب المعايير الإنسانية والمقاييس الآدمية في مقامها الأول. فهو قاض إنسان قبل أن يكون متديناً بدين حق أو بدين باطل. وهل جاء الدين إلا ليقوم سلوك الإنسانية وليصحح تصرفات الآدمية؟ ولما طالعت الخبر في (النيوزويك) وغيرها تأثرت جداً. ودفعني تأثري لكتابة هذه القصيدة المتواضعة للإشادة بهذا التصرف. بقطع النظر عن ديانة وجنسية صاحبيه.)
© 2026 - موقع الشعر