البشعة دجل وخرافة - أحمد علي سليمان

بالساذجين تعبَّثَ البُلهاءُ
وتلاعبُوا بعقولهم ، وأساؤوا

راجَتْ أحاجيهم ، وخَيَّمَ زيفهم
واستفحلتْ بهواهُمُ الأرزاء

طابتْ مَخارفهم وعشعشَ جهلهم
ومِن الضلال تشَرَّبَ الجُهلاء

شَرِقتْ ببشْعتهم عقولٌ أشرقتْ
وتنورتْ ، أصحابُها فهماء

لم يقبلوا دجلاً يُغيِّبُ وَعيَهم
لا يرتضي كبحَ الحِجا العُقلاء

فالمُدَّعِي بالبينات فمُلزمٌ
أو باليَمين لكي يكون نجاء

أما اتباع (البشعة) احتكموا لها
ولِمَا ارتأتْ ، واستسلمَ الفرقاء

فهي الضلالُ بعينه نطقتْ به
أرجى المراجع ، صَحَّتِ الأنباء

هي مِن أمور الجاهلية ، والألى
عَمدوا لها ولزورها سُفهاء

ومَن ارتضى تحكيمَها هو مُشركٌ
قالت بهذا الشرعة السَّمحاء

هي خالفتْ دينَ الإله جَهالة
بئسَ الجهالة سَنها الشُّركاء

أيُسَخنُ السِّكينَ دجالٌ ، وفي
نيرانه تحْمَرُّ كيف يشاء؟

وعلى فم المَتهوم تُوضعُ عُنوة
وكأنما فمُه البريء شِواء

فإذا تحرَّقَ بالشواظ لسانه
فهو الكذوبُ ، وإنَّ ذاك جزاء

وإذا نجا مِن ناره لم يحترقْ
فهو الصَّدوقُ ، وزالَ عنه بلاء

استقسمَ الأقوامُ بالأزلام لم
يترفعوا ، وتأصَّلتْ أهواء

وإذا بحق ذكّروا لم يَذكروا
ومتى أفاقَ مِن العمى البُلهاء؟

صِنوان بَشعتُهم وشرُّ كهانةٍ
وخرافة عَمَّتْ بها البَلواء

ومَقاطعٌ نشرتْ لها ملعونة
ومَخارفٌ قد عافها الصُّلحاء

يا قومنا توبوا إلى ربِّ السما
تُدركْكُمُ الرَّحَماتُ والنعماء

مناسبة القصيدة

(ما البشعة؟ هي طريقة دجلية يستدل بها على الجناة عند أهل الضلال: حيث يتم تسخين قطعة معدنية (يد محماس) حتى تتوهج وتصبح حمراء وتُطلب من المتهم لعقها ، والنتيجة (المعتقد): إذا لم تصب لسانه بضرر ، فهو بريء ، وإذا احترق لسانه ، فهو مذنب. فماذا عن الحقيقة العلمية والشرعية؟ علميًا: لا توجد علاقة بين جفاف اللسان أو حرقه وبين صدق الشخص ، فالتوتر والخوف يسببان جفاف الفم لأي شخص ، صادقًا كان أم كاذبًا ، مما يؤدي لظهور علامات خاطئة. وشرعيًا: هي عادة محرمة شرعًا ، وهي من عمل الجاهلية وتُشبه "الاستقسام بالأزلام" المحرم في الإسلام ، وتتعارض مع مبدأ "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر". وماذا عن الأضرار؟ أضرار صحية: حيث تسبب حروقًا وإصابات جسدية خطيرة للمتهم. وهناك أضرار اجتماعية: تُشعل الفتن والنزاعات وتُشوه الوعي وتتعارض مع كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية ، وتُستخدم للباطل بدلاً من إثبات الحق. إن الاغراض الجشعة من وراء البشعة لا تكاد تخفى على أحد! ولكن أغلب الناس يغالط ويخلط الحق بالباطل! ما كانت البشعة يوما من الأيام إظهاراً للحق ، إنما هي دجل وتخاريف! ومن تعلق بها فقد توقعه في الشرك بالله! فالبشعة عادة جاهلية ليست من الإسلام ، بل حرمها الإسلام لأنها مخالفة لتعاليمه في التعرف على السارقين أو إثبات تهمةٍ على متهم. فالأمر في الإسلام يكون في طريق إثبات الحكم وصفته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". فإن ادعيت على إنسان أنه قد سرق منك شيئا فعليك أن تأتي بالبينة أو الشهود أو اعترافه! وكذلك إن ادعيت على إنسان أن عليه دينا لك فعليك بالبينة: المستندات أو الشهود. أما إن لم تأت بالبينة على سارق متهم بسرقة أو على مدين لك بدين ، فليس على المدعى عليه إلا أن يحلف بالله أنه لم يسرق أو أنه ليس عليه دين! فإن كان كاذباً فيمينه غموس ستغمسه في النار ، وإن رفض الحلف كان هذا الرفض قرينة على أنه مدين أو سارق! فهذا الحديث أصل في فض المنازعات! أما أن نذهب إلى دجال صاحب بشعة يسخن سكيناً ، فإن حرقت لسان المتهم كان متهماً ، وإن لم تحرق لسانه لم يكن متهماً ، فهذا دجل وشعوذة وخرافة)
© 2026 - موقع الشعر