عزة المراغي بالله - أحمد علي سليمان

إذا العزم وَلى عن نفوس غدَتْ كلمى
وأوسعَها شُمُّ الورى في الحِمى ذمَّا

تعِز نفوسٌ بالصُّمود ، فلا تنِي
وتستعذِبُ الآلامَ والضنك والأزما

ولا ترتضي في الدِّين القويم ترهلاً
وإنْ خاصمتْ في نشره الخالَ والعمَّا

عَلِمتُ (المراغيَّ) المزكى بعِلمه
وعِزتُه فاقتْ كثيراً مِن الأسما

ترَفعَ عن جُود الطواغي ومالهم
فلم يقبل التطويعَ ، كلا ، ولا الضَيما

دعا الناسَ للإسلام سِراً وجهرة
ولم يَلقَ ممن قلدوا حُكمَهم دعما

وقِيلَ: التزمْ ما تقتضيه مَراسِمٌ
ورأسَكَ فلتحني ولا تُكثِر اللوما

ف (جورجٌ مَليكٌ ، ثم (ماري) أميرة
وهذا بُروتوكولهم فاتقِي السهما

فأوْمَا (المراغيُّ) الجريءُ برأسه
وردَّ بلا خوفٍ ليقتنع الكلمى

ركوعي لرَبِّ الناس ليس لغيره
ونفسي عن استرقاق أضيافكم عَصما

وجنبَ مصراً أن تُشارك في الوَغى
فأغضبَ خُواناً ، كما أغضبَ العُجْما

وسوهاجُ يوماً سوف تفنى كغيرها
ويبقى (المَراغيُّ) يُتحِف القوما

سيبقى لهذا الدين رَمزاً وقامة
ويكفي الذي أهدى ، فقد قدَّمَ العِلما

ليفخرْ بهذا الشيخ أزهرُ مصرنا
فكم كافحَ التغريبَ واستهجنَ الظلما

وأنشأ للفتوى لِجاناً أعدَّها
ليَعصمَ مِن فوضى مناطقةٍ صُمَّا

ستذكرُه الأجيالُ بالخير دائماً
وأهل الهُدى بالخير نذكرهم دوما

ويُطريكَ أفذاذ يَرونك قدوة
ويُعرفُ قدرُ البدر إنْ حَلتْ الظلما

عليكَ مِن الرحمن أوسعُ رحمةٍ
إذا أشرقتْ شمسٌ وزاحمتِ النجما

مناسبة القصيدة

(أحياناً تكون بعض كلمات المشايخ حكمة! فمثلاً: (ليس في ديننا ركوع لغير الله تعالى)! كلمة عبر بها الإمام المراغي رحمه الله تعالى عن رفضه الانحناء لملك بريطانيا (الملك جورج)! ففي يوم 21 نوفمبر من عام 1911 م ، رست في ميناء بورسعيد السفينة التي تقل الملك جورج الخامس ملك الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس ، والذى كان في طريقه لحضور مراسم تتويجه الإمبراطوري في الهند المقرر له يوم 12 ديسمبر 1911م ، ويومها صعد على السفينة خديوي مصر عباس حلمي الثاني للترحيب بعاهل الإمبراطورية البريطانية والملكة «ماري» ملكة بريطانيا ، وكان الأمير أدولفوس دوق تيرو شقيق الملكة ماري مرافقاً للملك وشقيقته الملكة! وصعد على ظهر السفينة اللورد كتشنر المندوب السامي البريطاني ، والبرنس محمد ضياء الدين رشاد ولي عهد العرش العثماني ، الأمير حسين كامل عم الخديوي عباس حلمي الثاني ، الجنرال السير فرانسيس ريجنالد وينغيت الحاكم العسكرى للسودان ، محمد كميل باشا القبرصى الصدر الأعظم للسلطان العثمانى عبد الحميد الثاني ، واستكملت السفينة رحلتها حتى وصلت إلى الميناء السوداني «سواكن» الذي يطل على البحر الأحمر! وكانت الأوامر البريطانية قد صدرت إلى الأعيان وكبار الموظفين في السودان بالسفر إلى هذا الميناء ، ليكونوا في استقبال سفينة الملك جورج الخامس والتي ستتوقف لبعض الوقت! ويقضى بروتوكول الاستقبال عدم صعود أحد من المدعوين إلى السفينة غير الجنرال السير فرانسيس ريجنالد وينغيت الحاكم العسكري للسودان ، أمّا بالنسبة للآخرين فكان عليهم أن يمكُثوا بمُحاذاة السفينة ويكفيهم شرفاً إطلالة الملك عليهم ، وكان في مُقدمة المدعوين قاضي السودان الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي تم إبلاغه بتلك الترتيبات فأخبر الحاكم الإنجليزي للسودان بأنه لن يحضر استقبال الملك جورج إلا إذا صعد مثله إلى السفينة ، وأرغم الإنجليز على تغيير بروتوكول الاستقبال ، وصعد الشيخ المراغي إلى السفينة وكان ضمن بروتوكول مُصافحة الملك جورج الانحناء له أثناء المُصافحة ، إلا أن الشيخ المراغيَ صافح الملك منتصباً دون أن ينحنيَ له كما طلب منه ، وأستنكر ذلك القادة الإنجليز والمُراسلين الأجانب قائلين له: «كان ينبغى أن تنحنيَ للملك كما ينحني كل من يُصافحه» ، فرد عليهم الشيخ قائلاً: «ليس في ديننا ركوع لغير الله تعالى)!
© 2026 - موقع الشعر