أمّ البنات - محمد محضار

أُمّ البَنَات
 
في اليد سبحة
والنظرات تُعَانق الأفق البعيد
ضَمير الغائب يبتسم "شوقا"
يسألني في هدوء "طفل"
أما يزال قلبك يخفق أيها الضارب
في السنين؟
أما تزال جوانحك تُسبح بتراتيل
الهوى؟
أما تزال تمارس شَغَبَ العِشق العَصِيّ
في حضرة الفراغ المريب؟
اليوم بين الفسحة واللّسْعة
أقيس خطوي
وأجترُّ دينار الوقار واشتعال الفُودين يباضا
وأرقام العمر تَلْبسُ أسداسا دون أخماس
الزّمن مَارَسَ غِشّه المقيت
وأنا في سهوتي
أعُدّ متواليات هزيمتي
نقطة البوح في سطر عموديّ
تلقي ظلالا فستقية على الرابية
تنتفض الكلمات في رنين خافت
تنشر أغنية جديدة للشوق العابر بصدري
تطلّ أم البنات بجلباب الكشمير
و فُولَارَ الحرير
مبتسمة تسألني:
-أما اكتفيت من ترميم عَبَث السنين؟
أما اكتفيت من تراتيل الوجع والأَنِين؟
لا اكتفاء يا أم البنات
فثمّة ضروب من الجفاف والشقاء
تجوب عَرصات قلبي
وثمة تصدعات وضِيّاع طريق
وفَوضَى تشُجّ رَأسي
لا اِكتفاء يا أم البنات
الحياة سعالُ أيّام و خَدشُ ساعات
وأحاديث غامضة تحتاج لتفسير
الأمر كلّه أُحْجِيّة تستفز الدماغ
ونقطة استفهام وإبهام
يزأر الشّوق بين جوانحي
فأعبر إلى زمن الدفء
ونَشْوة الانبلاج
أرقص بخفة الصِّغار
في باحة بيتنا الرحبة
مُنُتَشِيّاً تملأ عيني
زخرفة الزليج الفاسي
ونقش الجبس البلديّ
الحُلْو المَلْمس
يا أمّ البنات
أنا في حضرة أمي
أتَهَجّى حروفي الأولى
وذاك أبي خاشع
في صلاته الوسطى
سألت عن إخوتي
عن جدتي
عن قططي وسلحفاتي
عن أشيائي الجميلة
عن لعبي الأثيرة
ردّت علي جدران البيت الباردة
"يا قادما من خلف السحاب
يا تائها يلهثُ وراء لغة الغياب
لم يبق من الماضي إلا عَبيرَ الذّكرى
وشجرة نوايا حَسنة
وتفاصيل صغيرة تحتاج لتفسير عميق
فتريث ،وعُدْ إلى أحضان الوعي الشقيّ
قبّلْ جبين أمّ البنات وقل لها:
"أنت عتبة العبور إلى الأمل والفرح
يداك غطاء لغدي
عيناك مرآة لحقيقتي
وجهك سراج لحياتي"
أعود على أعقابي
تحملني أجنحة الشوق
إلى أحضان زمني الورديّ
ترقص روحي مُنْتشِيّة
يتلألأ على محياي وهج التجلي
تحُلّ بِي رغبة الوجد والانعتاق
أعصر نشوة سكرتي نبيذا بطعم الفجر
أمسك قَلْبَ الحبّ، وأطلق صَرخةَ
خلاصي
أهمس لأمّ البنات:
"أنت الحياةُ سُندُسيّة
والصغيرات هِبَة الرّبِّ
وكلمة الله ويَقينه الجليِّ
سلمى شَلال نور
ايمان يَمُّ عطر
وفاطم بسمة زهر"
لن أنتظر الوقت الضائع
يا أم البنات
سأغتسل من أدران الأيام الشاحبة
سأنتفض في وجه ظلال الكآبة
وأعيد ترتيب صفحات دفاتري
ثم أدثر كلماتي بإيهاب أرجواني
وأجدد وضُوءَ حروفي
 
 
محمد محضار الدارالبيضاء1أبريل 24
© 2024 - موقع الشعر