الجنين

لـ مروان القصار، ، في الوطنيات، آخر تحديث

الجنين - مروان القصار

أرجوكم ..
أقتلوني برفقٍ
فأنا ربيتُ
تحت ظلال الياسمينْ.
أرجوكم ..
أذبحوني بحقدٍ
لكنْ ..
لا تدعوا وردَ بيتي
يرى السكينْ!
​أعرفُ ذنبي
وأعرفُ أنهم أمروكم
أن تقطعوا شرايين
كلِّ الشعراءِ الشاميينْ.
لكني .. أنصحكم بالإحتفاظ بدمي
فهو عطرٌ معتقٌ ..
من أقدم عصور العاشقينْ.
​وأوصيكم بشجرة النَّارنج
وورد المخملِ
وحِيطان الطينْ؛
فبدونهم لن يكون لكم هنا حضارةٌ
وستعرف الشمسُ
أنكم غرباءُ وافدونْ.
​أرجوكم .. لا تدعوا
دمي يسيل على سجادة الضيوفْ
فعليها التقى آلافُ المحبينْ!
أو على بلاط الدار
فقد أوصاني أبي أن أحافظ عليه،
وأن أبقي رائحة القهوة
والمليسةِ في البيت فائحينْ.
​أرجوكم .. لا تصلّوا فيه صلاة اللطم والعويلْ،
أوصيكم أن تعبدوا الله فيه خاشعينْ.
وأرجوكم .. رجاءً أخيرًا:
لا تطلقوا النار عليَّ هنا،
فقد تصاب حيطان الموزاييكْ
والزجاج المعشَّقْ
وصحونُ أمي والفناجينْ.
​أرجوكم .. لا تزعجوا فراخ الحمامِ
بأعشاشها فوق الشبابيكْ
بصوت الرصاصِ
وصراخ عذابي والأنينْ!
خذوني واقتلوني خارج بيتي،
ففيه بكل ركنٍ أذانٌ
لا يعرف إلا الغزلَ والحبَّ
واحترام الآخرينْ.
​وأرجوكم ..
لا تؤذوا أطفال الجيران بمشهد جثتي
فهم لم يروا قتيلًا ولم يسمعوا عن ذلك
إلا في الحكايات عن أشرار السلاطينْ.
وأرجوكم ..
لا تؤذوا عيون بنات الشام
بمشهد جثتي،
وقولوا لهنَّ هو ليس بقتيلٍ
بل شهيدْ
مات بالعشقِ
أو بالشعرِ
أو أثناء التدوينْ
كما مات كلُّ أجدادهِ
على مرِّ آلاف السنينْ.
​أعرفُ:
أُمِرتم بتهجيرنا
وأُمِرتم بتدميرنا
وأُمِرتم بقتل أطفالنا
.. وقَتلِ حتى الجنينْ،
لأن الحرية
ستلدها جدراننا،
وتحاولون .. وتحاولون عبثًا
منعَ اليقينْ.
​أرجوكم .. رجاءً أخيرًا، وأنصحكم:
خلُّوا كلَّ شيءٍ في مكانهِ
أعرفُ وتعرفون بأنكم راحلونْ
ككل المستعمرين الهمجيينْ،
وتعرفون بأننا راجعونْ،
وأننا خبّأنا في قاسيون جنينًا
يرضعهُ بردى
ويظلّله عنبُ داريا
وينتظرهُ حتى .. زيتونُ فلسطينْ.
© 2026 - موقع الشعر