أرى النفس لجّت - لبيد بن ربيعة

أَرَى النَّفسَ لَجَّت فِي رَجاءٍ مُكَذِّبِ
وَقَد جَرَّبَت لَو تَقتَدي بِالمُجَرَّبِ

وَكائِن رَأَيتُ مِن مُلوكٍ وَسوقَةٍ
وَصاحَبتُ مِن وَفدٍ كِرامٍ وَمَوكِبِ

وَسانَيتُ مِن ذِي بَهجَةٍ وَرَقَيتُهُ
عَلَيهِ السُموطُ عابِسٍ مُتَغَضِّبِ

وَفارَقتُهُ وَالوُدُّ بَينِي وَبَينَهُ
بِحُسنِ الثَناءِ مِن وَراءِ المُغَيَّبِ

وَأَبَّنتُ مِن فَقدِ ابنِ عَمٍّ وَخُلَّةٍ
وَفارَقتُ مِن عَمٍّ كَريمٍ وَمِن أَبِ

فَبانوا وَلَم يُحدِث عَلَيَّ سَبيلُهُم
سِوى أَمَلِي فِيمَا أَمَامِي وَمَرغَبِي

فَأَيَّ أَوانٍ لا تَجِئنِي مَنِيَّتِي
بِقَصدٍ مِنَ المَعروفِ لا أَتَعَجَّبِ

فَلَستُ بِرُكنٍ مِن أَبانٍ وَصاحَةٍ
وَلا الخالِداتِ مِن سُواجٍ وَغُرَّبِ

قَضَيتُ لُباناتٍ وَسَلَّيتُ حاجَةٍ
وَنَفسُ الفَتَى رَهنٌ بِقَمرَةِ مُؤرِبِ

وَفِتيانِ صِدقٍ قَد غَدَوتُ عَلَيهِمُ
بِلا دَخِنٍ وَلا رَجيعٍ مُجَنَّبِ

بِمُجتَزَفٍ جَونٍ كَأَنَّ خَفائَهُ
قَرا حَبَشِيٍّ فِي السَرَومَطِ مُحقَبِ

إِذا أَرسَلَت كَفُّ الوَليدِ كِعامَهُ
يَمُجُّ سُلافاً مِن رَحيقٍ مُعَطَّبِ

فَمَهما نَغِض مِنهُ فَإِنَّ ضَمانَهُ
عَلى طَيِّبِ الأَردانِ غَيرِ مُسَبَّبِ

جَميلِ الأُسى فيما أَتى الدَّهرُ دونَهُ
كَريمِ الثَّنا حُلوِ الشَّمائِلِ مُعجِبِ

تَراهُ رَخيَّ البالِ إِن تَلقَ تَلقَهُ
كَريماً وَما يَذهَب بِهِ الدَّهرُ يَذهَبِ

يُثَبّي ثَناءً مِن كَريمٍ وَقَولُهُ
أَلا اِنعَم عَلى حُسنِ التَّحِيَّةِ وَاِشرَبِ

لَدُن أَن دَعا ديكُ الصَباحِ بِسُحرَةٍ
إِلى قَدرِ وِردِ الخامِسِ المُتَأَوِّبِ

مِنَ المُسبِلينَ الرَيطَ لَذٍّ كَأَنَّما
تَشَرَّبَ ضاحي جِلدِهِ لَونَ مُذهَبِ

وَعانٍ فَكَكتُ الكَبلَ عَنهُ وَسُدفَةٍ
سَرَيتُ وَأَصحابِي هَدَيتُ بِكَوكَبِ

سَرَيتُ بِهِم حَتّى تَغَيَّبَ نَجمُهُم
وَقالَ النَعوسُ نَوَّرَ الصُبحُ فَاذهَبِ

فَلَم أُسدِ ما أَرعَى وَتَبلٍ رَدَدتُهُ
وَأَنجَحتُ بَعدَ اللهِ مِن خَيرِ مَطلَبِ

وَدَعوَةِ مَرهوبٍ أَجَبتُ وَطَعنَةٍ
رَفَعتُ بِها أَصواتَ نَوحٍ مُسَلَّبِ

وَغَيثٍ بِدَكداكٍ يَزينُ وَهادَهُ
نَباتٌ كَوَشيِ العَبقَرِيِّ المُخَلَّبِ

أَرَبَّت عَلَيهِ كُلُّ وَطفاءَ جَونَةٍ
هَتوفٍ مَتَى يُنزِف لَها الوَبلُ تَسكُبِ

بِذي بَهجَةٍ كَنَّ المَقانِبُ صَوبَهُ
وَزَيَّنَهُ أَطرافُ نَبتٍ مُشَرَّبِ

جَلاهُ طُلوعُ الشَّمسِ لَمّا هَبَطتُهُ
وَأَشرَفتُ مِن قُضفانِهِ فَوقَ مَرقَبِ

وَصُحمٍ صِيامٍ بَينَ صَمدٍ وَرَجلَةٍ
وَبَيضٍ تُؤامٍ بَينَ مَيثٍ وَمِذنَبِ

بَسَرتُ نَداهُ لَم تَسَرَّب وُحوشُهُ
بِغَربٍ كَجِذعِ الهاجِرِيِّ المُشَذَّبِ

بِمُطَّرِدٍ جَلسٍ عَلَتهُ طَريقَةٌ
لِسَمكِ عِظامٍ عُرِّضَت لَم تُنَصَّبِ

إِذا ما نَأى مِنِّي بَراحٌ نَفَضتُهُ
وَإِن يَدنُ مِنّي الغَيبُ أُلجِم فَأَركَبِ

رَفيعَ اللَبانِ مُطمَئِنّاً عِذارُهُ
عَلى خَدِّ مَنخوضِ الغَرارَينِ صُلَّبِ

فَلَمّا تَغَشّى كُلَّ ثَغرٍ ظَلامُهُ
وَأَلقَت يَداً فِي كافِرٍ مُسيَ مَغرِبِ

تَجافَيتُ عَنهُ وَاِتَّقانِي عِنانُهُ
بِشَدٍّ مِنَ التَقريبِ عَجلانَ مُلهَبِ

رِضاكَ فَإِن تَضرِب إِذا مارَ عِطفُهُ
يَزِدكَ وَإِن تَقنَع بِذَلِكَ يَدأَبِ

هَوِيَّ غُدافٍ هَيَّجَتهُ جَنوبُهُ
حَثيثٍ إِلى أَذراءِ طَلحٍ وَتَنضُبِ

فَأَصبَحَ يُذرينِي إِذا ما اِحتَثَثتُهُ
بِأَزواجِ مَعلولٍ مِنَ الدَلوِ مُعشِبِ

وَيَومٍ هَوادي أَمرِهِ لِشَمالِهِ
يُهَتِّكُ أَخطالَ الطِرافِ المُطَنَّبِ

يُنيخُ المَخاضَ البُركَ وَالشَّمسُ حَيَّةٌ
إِذا ذُكِّيَت نيرانُها لَم تَلَهَّبِ

ذَعَرتُ قِلاصَ الثَلجِ تَحتَ ظِلالِهِ
بِمَثنَى الأَيادي وَالمَنيحِ المُعَقَّبِ

وَناجِيَةٍ أَنعَلتُها وَاِبتَذَلتُها
إِذا ما اِسجَهَرَّ الآلُ فِي كُلِّ سَبسَبِ

فَكَلَّفتُها وَهماً فَآبَت رَكِيَّةً
طَليحاً كَأَلواحِ الغَبيطِ المُذَأَبِ

مَتَى ما أَشَأ أَسمَع عِراراً بِقَفرَةٍ
تُجيبُ زِماراً كَاليَراعِ المُثَقَّبِ

وَخَصمٍ قِيامٍ بِالعَراءِ كَأَنَّهُم
قُرومٌ غَيارى كُلَّ أَزهَرَ مُصعَبِ

عَلا المِسكَ وَالديباجَ فَوقَ نُحورِهِم
فَراشُ المَسيحِ كَالجُمانِ المُثَقَّبِ

نَشينُ صِحاحَ البيدِ كُلَّ عَشِيَّةٍ
بِعوجِ السَّراءِ عِندَ بابٍ مُحَجَّبِ

شَهِدتُ فَلَم تَنجَح كَواذِبُ قَولُهُم
لَدَيَّ وَلَم أَحفِل ثَنا كُلِّ مِشغَبِ

أَصدَرتُهُم شَتَّى كَأَنَّ قِسِيَّهُم
قُرونُ صِوارٍ ساقِطٍ مُتَلَغِّبِ

فَإِن يُسهِلوا فَالسَهلُ حَظّي وَطُرقَتِي
وَإِن يُحزِنوا أَركَب بِهِم كُلَّ مَركَبِ

تمت الإضافه بواسطة : سالم ال فروان
© 2024 - موقع الشعر