"خارج النيقاتيف" Out Side The Negative
الجزء الأول(عشرة واط) Ten Watts
في عالم مليء بالتعقيدات كان لؤي البالغ من العمر تسعة عشر عاما شابا يعيش في ظل أبويه مثل حال أغلب الشباب في هذه الأيام، يسهر ويلهو ويفحط بسيارته التي ابتاعها له أبوه بعد أن بلغ السن المناسب للقيادة واستخرج الرخصة، وفي ليلة من ليال لهوه وسباقاته التي لا تحصى وبالتحديد عند الساعة العاشرة والنصف بينما كان يهم في دخول سباق في أحد شوارع مدينة القصيم رنَّ هاتفه النقال؛
التزموا الصمت إنه أبي، لا بد أنه عاد من زيارة أخيه مبكرا ولم يجدني في المنزل وسيوبخني الآن كعادته ويطلب مني العودة، فما العذر الذي ترونه مناسبا لاقناعه ببقائي خارج المنزل حتى ساعة متأخرة،
فانهالت عليه الأعذار كأمطار الشتاء الباردة والغزيرة، فاختار أحدها وعاود الإتصال به، لكن نبرة الصوت كانت مختلفة، ففاجأه المتصل بقوله:
هل تعرف صاحب هذا الهاتف، فأنت آخر من هاتفه؛ التهم الروع عقل لؤي وجسده ولم يستطع الإجابة، فهو يخشى أن يسمع أن مكروها أصاب والديه، ولكن بعد أن ألح عليه المتصل أخبره بأنه ابنه، فقال له حينها:
لقد تم نقل أبواكم إلى المستشفى، وعليك وعلى بقية إخوتك الحضور في أسرع وقت ممكن..
"كانت هذه أول مرة يشعر فيها لؤي بالوحدة، لقد تذكر بأنه وحيد أمه وأبيه"
انطلق بأقصى سرعة للسيارة قاصدا مستشفى القصيم الذي لم يكن يبعد عنه كثيرا، وما أن وطئت قدماه قسم الطوارئ وشاهد عمه أمامه يبكي بشكل هستيري وشاهد غزارة دموعه علم أن أباه قد رحل، ولكنّ المفاجأة الكاسرة للظهر والتي شلت تفكيره تماما هو أمله بنجاة أمه التي كانت ممدة بجانبه مغطاة بملاءة المستشفى البيضاء، ففقد وعيه على إثر هذه الصدمة لمدة ساعة من الزمن، فأخرجوه لغرفة أخرى هادئة حتى يستطيعوا شرح الأمر له بروية، إلا أنهم انشغلوا عنه بحضور بعض الأقارب المفاجئ، وعندما استيقظ في مكان هادئ ومظلم ظن بأنه مجرد حلم راوده في بيت أحد أصدقائه، وإذا بعمّته تصرخ بعلو صوتها وتبكي، خرج إلى خارج الغرفة وتأكد بأن أبويه قد فارقا الحياة فعلا ولابد له من تقبل الأمر مهما كانت شدة حزنه، فأجهش حينها بالبكاء والعويل، ورغم ذلك الحزن إلا إنه استطاع إكرامهما بغسلهما ودفنهما والصلاة عليهما بعد استخراج كافة الأوراق اللازمة لذلك في وقت وجيز جدا.
لقد أصبح لؤي يتيما ووحيدا بكل ماتعنيه الكلمة، فقضى أول أسبوع في هدوء تام، ولكنه في حقيقة الأمر كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، فقد حُجزت جميع أملاك أبيه بسسب الديون التي كانت عليه للتجار حتى يسددها عنه بما سيرثه من ممتلكات، فاستمر الحجز على مال أبيه الذي كان مودعا في البنك وعلى الفيلا فقط، وأُفْرج عن الأراضي التي كانت تصل قيمتها الحقيقية لأربعة ملايين ريال، حاول لؤي مقايضة منزل أبيه الذي كان يحمل ذكرياته معه ومع أمه بالأراضي التي لديه لأغواء التجار ولكنهم رفضوا ذلك العرض دون تردد، استغرب لؤي رفضهم فغضب واحتد النقاش بينهم لكنهم في نهاية الأمر أخذوا ماكانوا يصبون إليه بسهولة تامة، فهو لن يستطيع إجبارهم على ما يريده لأن تلك الأراضي التي كان يملكها أبوه رغم كونها إرثا قديما لعائلتهم وعليها حجج قديمة لا يستطيع القضاء إنكارها لم يستطع أن يستخرج لها صكوك رسمية موثوقة من المحكمة.
صُودر المال وبِيعتْ الفيلا ولم يتبق من المبلغ المطالب به لؤي إلا شيئا يسيرا تنازل عنه التجار له به عن طيب خاطر؛
ولكنه الآن لايملك منزلا ينام فيه، فاستحيا أن يلجأ لعمّه وأقاربه في مثل هذه الحال مخافة الشماتة، فقرر أن يأخذ بعضا من عفش الفيلا قبل بيعه ليسكن به في إحدى أراضيه الموروثة والمسوَّرة، فباع العفش بسعر زهيد لا يكاد يصل إلى خمس ثمنه الحقيقي، وبالكاد غطى قيمة عشائه مع لمبة ومروحة تعمل على الشحن والبطاريات، فتفاجأ في آخر الليل بمن يقرع باب أرضه الحديدي المتآكل، حمل اللمبة باتجاه الباب والخوف يملأ قلبه، فقال في نفسه، وماذا إذا كانوا لصوصا؟! وماذا سيسرقون ياترى؟! اسأل من الطارق أيها الأحمق؛
من في الباب؟!
-أنا موظف البلدية،
سكن روع لؤي قليلا رغم استغرابه حضور مراقب البلدية في هذا الوقت، ففتح الباب وحيا كل منهما الآخر ولؤي ينظر إليه بعينين مثقلتين ممسكا اللمبة،
المراقب:
أرى أن كل أركان المخالفات مكتملة،
لؤي في دهشة:
عن ماذا تتحدث أخي الفاضل؟!
-أنت تسكن في منزل دون رخصة بناء، ودون إدخال خدمة العداد الكهربائي، وتستخدم مولدا كهربائيا في منتصف المدينة دون إذن البلدية.
لؤي يتعارك مع نفسه ويقول:
لا بد أنه برنامج الكاميرا الخفية، أو برنامج رامز المضحك الذي يعرض سنويا، فشهر رمضان قد اقترب والناس تتوق للضحك.
أرني بطاقتك حتى أتأكد من صدق كلامك، نظر إلى جميع إثباتاته وإذا بها صحيحة،
اشرح لي الآن المخالفات التي ذكرتها،
-ألست الآن ساكنا هنا؟
- نعم،
-هذه واحدة،
-ألم تسكن دون إدخال عداد الكهرباء؟
-فحرك رأسه بالإيجاب،
-هذه الثانية، فاكتفى عن شرح الثالثة وسكت،
ولكن لؤي لم يستطع كبح غيضه؛
ماذا عن الثالثة أيها المراقب؟!، فأنا لا أمتلك أي مولد للكهرباء في أرضي،
-تقصد في منزلك؟!
لؤي يتعوذ من الشيطان الرجيم ويستغفر الله لعله يبدد الكمية الهائلة من يورانيوم الغضب الذي قد خصبه بداخله حتى لا يتفجر ويفجر من حوله، فقال ببغض:
-نعم هو ما ذكرت،
أليست هذه اللمبة تشتغل على البطاريات وهذه البطاريات تحتاج لأسلاك حتى تحث المجال المغناطيسي ومن ثم تولد الكهرباء؟
ارتاح لؤي لطريقة شرح الأمر، وظن أن أحد جيرانه موظفا في "الأمانة" ويحب الطُّرَف، وجاء ليستخف ظله أمامه، فهز رأسه مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت مع ابتسامة عريضة.
-مادام إنك اقتنعت بحججي عليك فأحضر لي بطاقتك الشخصية لأتمكن من تثبيت المخالفات وإتمام عملي، فلا أضطر حينها لإبلاغ قسم الشرطة عن عدم تعاونك،
ضحك لؤي بينما كان يمد له البطاقة ظنا منه أن هذا الكائن سينفجر ضحكا في أي لحظة من اللحظات حتى يعلن له أنها مجرد طرفة.
ودّع المراقب لؤي وهو يقول له لا تنس تسديدها حتى لا تتراكم عليك المخالفات فتسجن.
- ألا تريد شيئا آخر، لحظة صدق واعتراف مثلا
- !
لابد أنه يهذي من هول المفاجأة.
وبينما كان يهم بإطفاء المولد أعني اللمبة لينام وإذا بهاتفه الذي كان يوفر بطاريته يشع نورا مع جرس تنبيه لثلاث رسائل،
وأنا الذي قلت قبل قليل أنني لا أملك شيئا، كم أنا أحمق لقد نسيت المستقبل…
قديما كلما تخيلت مستقبلي كان يتأنق لموعدي بكل جميل ويتطيب لعناقي بأطيب العطور النسائية الجذابة، كان موعدنا على شواطئ جزر الكاريبي أو على قمم جبال الألب وغاباتها الجميلة، أما اليوم فهو أشيبٌ رثُّ الملابس لكن دون رائحة، يرتجف داخل غرفة صغيرة مظلمة ليس لها نوافذ.
فسألت نفسي سؤالين خطرت ببالي:
لماذا يجب علي أن أكون بابا نويل لأؤجل أحلامي وأحقق أحلام الغير؟! لماذا يجب علي أوزع مستقبلي هدايا مفرحة لأطفال الأغنياء؟!
،، تم بحمد الله ،،
إضافة تعليق - (( user.name )) - خروج
ادارة موقع الشعر (( comment.message.user.name )) (( comment.message.user.name ))
(( comment.message.text ))
لا يوجد تعليقات.